كان يُفترض أن تقوم صديقتان مقرّبتان برحلة الأحلام: هما تنتقلان من المملكة المتحدة إلى طوكيو لتمضية سنة فاصلة بين المدرسة والجامعة، حيث تنويان العمل والعيش في واحدة من أكثر المدن إثارة في العالم. لكن بعد أقل من شهر، تختفي واحدة منهما عن الأنظار، وهي لوسي بلاكمان.
يسافر أفراد من عائلتها المفجوعة إلى اليابان في محاولة يائسة للبحث عنها، ثم تبدأ واحدة من أكبر المطاردات في تاريخ البلد. يتم العثور على جثتها بعد سبعة أشهر للأسف، ويتبيّن أنها تعرضت للاغتصاب والقتل قبل تشويه جثتها ورميها في قبر ضيق.
يتطرق وثائقي على شبكة «نتفلكس» لهذه القضية الصادمة والمأسوية، وهو يحمل عنوانMissing: The Lucie Blackman Case (في عداد المفقودين: قضية لوسي بلاكمان). يجري صانعو العمل مقابلات مع مجموعة من المحققين اليابانيين الذين شاركوا في هذه القضية. يُركّز الوثائقي أيضاً على والد بلاكمان الذي تمسّك بأمل العثور على ابنته وهي على قيد الحياة.
لكن بعد اكتشاف جريمة القتل المريعة، تصل الشرطة إلى عالم الإجرام السرّي والقاتم في طوكيو وتكشف القضية عن الرجل الذي نفّذ ذلك الاعتداء الوحشي، فيتبيّن أنه واحد من أسوأ وأخطر ممارسي الاعتداءات الجنسية في البلد. لكن من هو هذا الرجل وما الذي أصاب بلاكمان؟
بالعودة إلى أيار 2000، كانت لوسي بلاكمان، من «سيفينوكس» في «كينت»، تبلغ 21 عاماً وتعمل كمضيفة طيران، حين قررت الانتقال إلى اليابان مع صديقتها لويز فيليبس. بدأت الفتاتان تعملان هناك كمضيفتَين في حانة «كازابلانكا» في «روبونجي»، طوكيو.
من المعروف أن أي مضيفة في النوادي الليلية هناك تجلس مع الرجال للترفيه عنهم وتشجيعهم على الشرب، ويُطلَب منها أحياناً مغادرة الحانة والذهاب في موعد غرامي مع أحد العملاء.
بعد مرور ثلاثة أسابيع، في 1 تموز، أدركت فيليبس أن بلاكمان لم تتواصل معها بعد موعد أمضته مع أحد الرجال في الليلة السابقة. وفي 2 تموز، تلقت فيليبس اتصالاً غريباً من رجلٍ يزعم أن بلاكمان انضمت إلى طائفة جديدة وأنها لن تقابل صديقتها مجدداً. فأبلغت فيليبس عائلة لوسي بما حصل.
بعد بضعة أيام، سافرت شقيقة بلاكمان، صوفي، ووالدها تيم إلى اليابان لعقد مؤتمر صحافي وطلب المعلومات عن مكان بلاكمان. تَوزّع 30 ألف ملصق عليه صورتها في أنحاء طوكيو وعُرِضت مكافأة بقيمة 9500 جنيه استرليني، قبل أن يزيد رجل أعمال مجهول قيمة المكافأة كي تصل إلى 100 ألف مقابل عودتها سالمة.
في البداية، ذكرت السلطات اليابانية أن بلاكمان ربما هربت مع حبيبها الجديد. لكن بدأت التحقيقات جدّياً بعدما ضغط وزير الخارجية البريطاني روبن كوك على اليابانيين. اجتمعت عائلة بلاكمان مع رئيس الوزراء البريطاني حينها، توني بلير، وطلبت منه التطرق إلى هذه القضية مع نظيره الياباني.
تبيّن لاحقاً أن رسالة مزعومة من بلاكمان كانت مزيفة، حيث تدّعي أنها تفعل ما تريده وترغب في أن يتركها الجميع وشأنها. ثم فشل دليل على صلة برجل أعمال ياباني، وُجِد ميتاً في شقته لاحقاً، في تقريب الشرطة من الحقيقة.
توصّل المحققون حينها إلى اسم جوجي أوبارا، مطوّر عقاري كوري ياباني، فخضع للاستجواب واعترف بأنه قابلها وشربا الكحول معاً في إحدى الشقق، لكنه أنكر تورطه في أي مسألة أخرى.
نظراً إلى التغطية الإعلامية الواسعة التي حظيت بها هذه القضية، تقدّمت ثلاث نساء واعترفن بأنهن استيقظن في سرير أوبارا وهن يشعر بالألم والغثيان من دون تذكّر أحداث الليلة السابقة. بلّغ عدد منهنّ عنه لشرطة «روبونجي»، لكن تجاهل المعنيون كلامهنّ.
حصلت الشرطة حينها على أدلة كافية لاعتباره المشتبه به الأول واتّهمته بتخدير بلاكمان واغتصابها وقتلها، بالإضافة إلى اغتصاب ثماني نساء أخريات وقتل العارضة الأسترالية كاريتا ريدجواي التي كانت تعمل أيضاً كمضيفة في حانات طوكيو.
بعد مرور سبعة أشهر، في 9 شباط 2001، استعمل المحققون الكلاب البوليسية ورادار التصوير الأرضي للعثور على بقايا جثة بلاكمان بالقرب من أحد عقارات أوبارا.
ثم بدأت محاكمة أوبارا البالغ من العمر 54 عاماً، في تشرين الأول 2002، واستمرت لخمس سنوات تقريباً. لم يصدر الحُكم النهائي قبل نيسان 2007. اعتُبِر مذنباً باغتصاب تسع نساء أخريات، بالإضافة إلى قتل ريدجواي، لكن تمت تبرئته من اغتصاب وقتل بلاكمان لأن المدعي العام عجز عن تقديم أي أدلة جنائية تربط أوبارا بمقتلها.
ذكرت قناة «بي بي سي» حينها: «تكلم القاضي عن غياب الأدلة التي تثبت مسؤولية أوبارا وحده عن مقتل بلاكمان... لكن من الواضح أن الضحية والمتّهم كانا معاً قبل اختفاء الفتاة التي ماتت لاحقاً، لكنه ليس دليلاً كافياً لإدانته بشكلٍ قاطع».
تعليقاً على القضية، تقول والدة بلاكمان، جين ستير: «قلبي محطّم. لا أصدق ما حصل. أسوأ مخاوفي تحققت».
حُكِم على أوبارا بالسجن المؤبد، لكن عادت محكمة طوكيو العليا واعتبرته مذنباً بخطف بلاكمان وتقطيع جثتها والتخلص منها في مرحلة الاستئناف في العام 2008. ثم رُفِض طلبه باستئناف الحُكم في كانون الأول 2010، وهو يقبع في السجن حتى اليوم.