يبدو فيلم التشويق الألماني الجديد Paradise (الجنّة) متقلباً، فهو يتّسم بمزايا عدة لكنه لا يستفيد منها بالشكل المطلوب. رغم تعدّد جوانبه المميزة، يبقى الفيلم بطيئاً ومملاً وغامضاً على نحو مزعج.
يحتاج الفيلم أصلاً إلى 40 دقيقة تقريباً لبدء أحداثه الحقيقية. تكثر العوامل التمهيدية والتفسيرات المستعملة لإعطاء طابع منطقي للعالم شبه المستقبلي الذي تدور فيه الأحداث. في التفصيل، تحمل شركة «أيون» شعار «تبرّع بوقتك لبدء حياة جديدة»، ما يعني أن يقدّم الفرد سنوات من حياته مقابل مبالغ نقدية كبيرة. يمكن تحويل تلك السنوات إلى مصل مضاد للشيخوخة يُستعمَل للمتبرّعين المناسبين، ما يسمح للمستفيدين بكبح شيخوختهم. في المقابل، يشيخ المتبرّع سريعاً ويخسر السنوات التي قدّمها لكنه يحصل على أموال نقدية إضافية.
من الطبيعي أن يعارض بعض الناس هذا النوع من المشاريع المثيرة للجدل. تظهر جماعة إرهابية اسمها «منظمة آدم»، وهي تظنّ أن شركة «أيون» تستغل نظاماً آخر للسماح للأثرياء بجمع ثروات إضافية ولجعل الفقراء يعيشون حياة أقصر من العادة.
لكن يهمّش صانعو العمل التداعيات الأخلاقية الكبرى لهذه العملية ولا يأتون على ذكرها مطلقاً. في منتصف الفيلم تقريباً، يظهر طبيب ناشط في السوق السوداء. هو يخزّن ذلك المصل في صندوق شاحنته الصغيرة. من أين حصل عليه؟ ورغم التحذيرات التي تدعو إلى استعماله لمن هم فوق عمر الثامنة عشرة، ماذا لو حُذِفت سنوات كثيرة وأصبح الفرد طفلاً؟ ماذا لو اختفى الناس من الوجود نهائياً؟ كيف يتمّ تحديد المتبرّعين أصلاً؟ تتعدّد الأسئلة المطروحة، لكن يفضّل صانعو العمل تجاهلها للتركيز على فكرة أكثر بساطة.
يكون «ماكس» محور هذا العالم الشائك. هو موظف في شركة «أيون» ويُعتبر واحداً من النجوم الصاعدين فيها. لكن حين تحترق شقته في إحدى الليالي وترفض شركة التأمين التعويض عن الأضرار لأنها تنسب الحادثة إلى الإهمال، يجد «ماكس» نفسه سريعاً وهو يرزح تحت أعباء ديون بقيمة 2.5 مليون يورو. ثم تضطر زوجته «إيلينا» للتخلي عن 38 سنة من حياتها لدفع تلك الديون. يشعر «ماكس» بغضب عارم ويطالب بتحقيق العدالة وباسترجاع حياة زوجته. هذا الوضع يضعه في صدام مباشر مع رئيسة «نيون» التنفيذية «صوفي ثيسن».
في منتصف الفيلم، تنتقل الأحداث من برلين إلى ليتوانيا، لكنّ هذه الخطوة تعطي أثراً معاكساً وتُخفّض مستوى العمل عموماً بسبب وفرة المشاهد الداخلية وتخبّط القصة التي تحاول في هذه المرحلة الجمع بين الظلم الذي يعيشه «ماكس» و»إيلينا» من جهة، ونشاطات الإرهابيين في «منظمة آدم» من جهة أخرى، إذ يريد هؤلاء ردع شركة «أيون» بأي ثمن. من دون الإفصاح عن تفاصيل كثيرة، يمكن القول إن النهاية تبقى مفتوحة ومخيّبة للآمال على مستوى بعض الشخصيات والأحداث المرتقبة.
في ما يخص المواضيع المطروحة، يتطرّق الفيلم إلى أفكار مثل الاختلاف الطبقي، والعمر، والمكانة الاجتماعية، لكنه لا يعرض أي مسائل لافتة في هذا المجال. حتى أن بعض الشخصيات تنقلب بالكامل على مواقفها الأخلاقية بعد مواجهة بسيطة في مرحلة متقدّمة من الأحداث، وهو تطوّر غريب ومتناقض لأقصى حد.
في المقابل، تبدو الشخصيات السيئة في القصة سطحية وتفتقر إلى العمق. هي شريرة بكل بساطة لأن الحبكة تفرض عليها هذه الصفة. يسهل أن نتوقّع أيضاً جميع الأفكار التي يمكن مشاهدتها في هذا النوع من الأعمال. يمكن أن نفترض مثلاً طبيعة «التحوّل المفاجئ» في الأزمة التي يواجهها «ماكس» و»إيلينا».
قد لا يكون الفيلم سيئاً بمعنى الكلمة رغم جميع عيوبه، لكنه يستوحي أفكاره عموماً من أفلام أعلى مستوى منه ويجمعها لتقديم عمل أقلّ جودة ومتعة. يفتقر التنفيذ إلى الإتقان أيضاً، وكان الفيلم ليُحقّق النجاح على الأرجح لو حصل بعض التعديلات في السيناريو وتَحسّن إيقاع الأحداث. في مطلق الأحوال، يمكنك مشاهدته بكل بساطة لتضييع ساعتين من وقتك.