ثمة ملامح من الكوميديا السوداء المرحة في فيلم التشويق الرديء Peppermint (النعناع). لم يرغب مخرج العمل بيار موريل وكاتب السيناريو تشاد سانت جون في تقديم هذا النوع من الأعمال على الأرجح. في ما يخصّ الحبكة، تسعى أم أصبحت أرملة حديثاً إلى الانتقام من تجّار مخدّرات لاتينيين يحملون صفات شريرة ساذجة وسطحية، بعدما قتلوا زوجها وابنتها الصغيرة. هذا الحدث الصادم يُدخِل موظفة البنك السابقة «رايلي نورث» (جنيفر غارنر) في نوبة غضب عارمة، وهي تصاب بصدمة نفسية قوية ترفض معالجتها (يصف لها الطبيب الليثيوم ودواءً مضاداً للاكتئاب، لكنها لا تأخذهما). تبدو «رايلي» غير متّزنة لدرجة ألا يصدّقها أي من أصحاب المناصب من حولها حين تخبرهم بأنها تتذكّر وجوه الرجال الثلاثة الذين قتلوا عائلتها.
مع ذلك، يُفترض أن يُشجّع المشاهدون «رايلي» لأن قتلة زوجها وابنتها لم يُعاقَبوا على فعلتهم، وبسبب فساد النظام القائم وشكاوى أخرى سبق وتطرّقت إليها أعمال سابقة. يجب أن يدفع أحد الثمن، حتى لو كانت نوبات الانهيار التي تصيب «رايلي» بسبب إجهاد ما بعد الصدمة تعني أن غضبها الفائق لا يبرّر قتل كل متواطئ أو أي شخص يستحقّ العقاب برأيها. لكن لا يهدف الفيلم في نهاية المطاف إلى انتقاد الامتيازات التي تتمتّع بها الشخصيات. «رايلي» هي مجرّد امرأة بيضاء، وكل ما يهمّها هو محاربة نظام العدالة المفكّك وقتل مجموعة من رجال العصابات اللاتينيين المتوحّشين. كيف يُعقَل ألا نعتبر العمل كوميديا سوداء عن هذا العصر المضطرب إذاً؟
قد يكون منتجو الفيلم فرنسيين وصينيين، لكن تجسّد بطلة القصة (عن غير قصد) شكلاً قبيحاً من الفكر الأميركي المعاصر الذي يعتبر الناس ضحايا التنمّر لمجرّد أن يخبرهم الآخرون بأنهم يتعرّضون لمضايقاتهم. لا داعي لطرح دليل ملموس لدعم أي ادّعاء معاكس. يكفي أن ننظر إلى الطرق التي يستعملها مخترعو شخصية «رايلي» لتبرير قرارهم باستخدام نسخ كاريكاتورية عنصرية لتقديم الشخصيات الشريرة التي تحاربها بطلة القصة.
يُفترض أن تكون تصرفات «رايلي» مبرّرة بسبب الصورة التي تحملها عن نفسها كضحية من الطبقة العاملة. هي ليست غنية بقدر «بيغ» (بيل جيمس)، أم متغطرسة ومنافِسة لها تُخبِر «رايلي» وابنتها «كارلي» (كايلي فليمينغ) في إحدى لقطات الماضي بأنهما لا تحملان مواصفات «فتيات الكشافة». لكن يُفترض أن يفهم المشاهدون أن غضب «رايلي» يُعبّر عن سكان لوس أنجلوس المستائين والمحرومين، وهي مواقف تتّضح عبر سيل من التغريدات في أحد المشاهد وجدارية في منطقة من البلدة. تكون «رايلي» في موقف ضعيف لأنها تحارب فاسداً لا يمكن المساس به اسمه «دييغو غارسيا» (خوان بابلو رابا)، وهو رجل نافذ جداً يحظى بحماية شرطة لوس أنجلوس، كما أنها تواجه قاضياً فاسداً (جيف هارلان) وعشرات المسلّحين الآخرين. من مسؤولية «رايلي» إذاً أن تقوم بما يمتنع عنه النظام الفاسد.
يُفترض أن تكسب «رايلي» تعاطف المشاهدين بسهولة، نظراً إلى تفاصيل خلفيّتها والظروف التي مرّت بها. لكن يبدو المخرج في معظم الأوقات يائساً في محاولاته تقديم شخصية مقنعة بدل أن يسعى إلى إثارة إعجاب المشاهدين. في إحدى لقطات الماضي، سنكتشف أن رب عمل «رايلي» كان يكرهها وأجبرها على العمل حتى وقت متأخر في ليلة عيد ميلاد ابنتها. حصل ذلك قبل أيام قليلة من عيد الميلاد أيضاً. كيف يُعقَل ألا يتعاطف المشاهدون إذاً مع «رايلي» التي كانت متزوّجة من رجلٍ طُلِب منه المشاركة في جريمة (جيف هيفنر)، لكنه كان بريئاً لدرجة أن يتراجع في اللحظات الأخيرة كي يتسنى له أن يمضي الوقت مع عائلته، فيتّخذ موته حينها طابعاً أكثر مأسوية؟ كذلك، يجب أن ننظر مجدداً إلى الشخصيات الشريرة التي تحاربها بطلة القصة، إذ يتأثر رجال «غارسيا» بمحيطهم السيئ.
على صعيد آخر، يحاول موريل استباق تُهَم العنصرية عبر اختيار شخصيات ذات انتماءات عرقية مختلفة وإقامة مساواة بين الجنسَين للعب دور شرطيَين وعميلة في مكتب التحقيقات الفدرالي (جون أورتيز، جون غالاغير جونيور، آني إيلونزي). إنه الفريق المسؤول عن قضية «رايلي». ولا ننسى أيضاً طريقة الكشف عن عميل مزدوج كان يعمل سراً لصالح «غارسيا». حتى أن أورتيز يتفوّه بعبارة لا تُصدّق حول الفرق بين الشرطة ورجال «غارسيا»، فيقول إن رجال الشرطة يُفترض أن يهتمّوا بما يحصل، بينما لا يهتم المجرمون بشيء.
ربما تخدم صورة الضحية المثيرة للشفقة حبكة الفيلم ورسالته، لكنها لا تعطي الأثر الذي يريده موريل. لا يبرّر اعتذاره عن سطحية الفيلم المشاهد الرديئة والمزعجة التي صوّرتها غارنر وهي تطعن مجموعة من الشخصيات الشريرة وتطلق النار عليها عشوائياً لأخذ انتقامها، بل إنه يثبت أن بطلة القصة تستغلّ عن غير قصد نظام القوة الذي تحاربه ويفتقر إلى التوازن، بغضّ النظر عن سقوط ضحايا من عائلتها أو عدد حلفائها والداعمين لها. باختصار، قد يكون الفيلم ممتعاً بدرجة معيّنة، لكن حتى جانبه المرح ليس مقصوداً.