من المفيد قراءة ما يقوله المسؤولون الإيرانيون عن الدول المجاورة التي جعلوها مواقع وامتداداً لنفوذهم وسياساتهم. في الإيجاز الذي يقدّمه المتحدّث باسم وزارة الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني كل يوم اثنين، كانت لنتائج زيارة وزيرها حسين أمير عبد اللهيان إلى بيروت حصّة دسمة توضح مدى الأهمية التي يعطيها القادة الإيرانيون لهذا «الموقع» ربطاً بما يتحدثون عنه من دعم ثابت للمقاومة ومحورها. يقول كنعاني عن زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى «لبنان وسوريا»: «لبنان دولة مؤثرة في المنطقة، ولكن للأسف نشهد نوعاً من الانسداد السياسي فيه. والمشاورات مع مختلف الأحزاب السياسية تهدف إلى فهم أفضل للمسؤولين وتقديم المساعدة في حل قضايا لبنان. من المهم الإسراع بتشكيل الحكومة وإزالة العوائق السياسية في لبنان، وفي هذا الصدد جرت مشاورات ومناقشات جيدة. ونأمل أن نرى حلاً للقضايا اللبنانية خلال فترة قصيرة. إنّ مسألتي تشكيل الحكومة وانتخاب رئيس الجمهورية تختصان بالشعب اللبناني ولا علاقة لهما بأي جهة خارجية، لكن المساعدة على حل القضايا وتسهيل أوضاعها وظروفها يمكن أن تكون مثمرة».
السؤال كان عن «لبنان وسوريا» لكن جواب كنعاني اقتصر على لبنان في ما يكشف نوعاً من الاهتمام الخاص سيزيده المسؤول الإيراني وضوحاً لدى قوله مردفاً :»إن انتخاب رئيس للبنان قضية أساسية. فبيروت هي قلب غرب آسيا كما قال عبد اللهيان وأي تطوّر في هذا البلد يمكن أن يكون مؤثراً...».
لا حاجة بعد كل هذا الوضوح للتذكير بانتقاد إيران التدخلات الخارجية في لبنان وآخرها ردّ عبد اللهيان على الرئيس الفرنسي ماكرون. انتقادات ماكرون لإيران كانت أصلاً نوعاً من الاستسلام والتنصل أو الاعتراف بالهزيمة أمام إيران في لبنان، واستباق عبد اللهيان وصول جان إيف لودريان إلى لبنان، كان في طريقة ما تكريساً لنهجٍ إيراني، بدلاً من مبادرة فرنسية يبدو أنها على طريق لفظ أنفاسها الأخيرة.
تقرأ إيران كغيرها المأزق الفرنسي في أفريقيا، وتتساءل كغيرها كيف يمكن لانعدام الوزن الفرنسي في قارة بأكملها أن ينعكس وزناً مؤثراً في لبنان، الدولة التي انتقل فيها الانتداب من فرنسا إلى سوريا إلى إيران في أقل من ثمانين عاماً. لا شك أنّ إيران تملك أظافر في لبنان اليوم لا تمتلكها فرنسا التي انتهت مبادرتها إلى دعوة حوار سبقتها مسابقة في الإنشاء، فيما خلصت مبادرة عبد اللهيان إلى اشتراط حوار يسبق سباقاً غير مضمونٍ حصوله على حلبة ساحة النجمة.
أبدى كنعاني أمله في حل «القضايا اللبنانية خلال فترة قصيرة» ، لكن الرئيس والحكومة يجب أن يكونا على قياس أهمية «قلب غرب آسيا». وفي الأدبيات الإيرانية يعني غرب آسيا منذ بداية تصدير الثورة الخمينية، ذلك العمق الإيراني الاستراتيجي، البديل عن تسمية «الشرق الأوسط» الكولونيالية. ولبنان، للأسف، هو عاصمة هذا القلب الإيراني.