رفيق خوري

طريق الرئاسة المغلق إلى انحلال الجمهورية

3 دقائق للقراءة

الحوار ليس عصا سحرية لتسوية الأزمات الصعبة. والتسليم بضرورته ليس ضماناً للحؤول دون وقوع ضرر، إذا قاد الى فشل معلن أو الى «نجاح» مزيّف مفروض بالقوة والرهان على اليأس. وعلى طريقة كلاوزفيتز القائل «إن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى»، يبدو الحوار أحياناً كأنه استمرار للصراعات والأزمات بوسائل أخرى. هذا ما أكده الحوار في الماضي حول الاستراتيجية الدفاعية، بحيث تعمّق الخلاف حول دور السلاح، وبقي كل شيء على حاله لأن الاستراتيجية الدفاعية الناجحة، في رأي «حزب الله» هي استراتيجية المقاومة الإسلامية. وهذا ما ينتظرنا في أي حوار مطروح حول الرئاسة لكونه حواراً في طريق مسدود.

ذلك أن المشهد اللبناني من الداخل مكشوف بلا ظلال، قبل الحديث عن مساربه الإقليمية والدولية. وليس صحيحاً أن المجلس النيابي عاجز عن انتخاب رئيس، كما أوحت الجلسات السابقة. الصحيح أن المجلس يدار بالسياسة لا بالدستور. ويتحكّم به إفقاد النصاب بعد الدورة الأولى في كل جلسة بما يمنع فتح الجلسة على دورات متعدّدة حسب أصول اللعبة الديمقراطية، وبالتالي بما يمنع انتخاب رئيس حتى إشعار آخر.

ولا مجال للخطأ في قراءة المعادلة: لا عدالة ولا رئاسة. كل متهم أمام القضاء يستطيع أن يفعل كما فعل مسؤولون نافذون مطلوبون الى التحقيق العدلي في تفجير المرفأ، والحاكم السابق لمصرف لبنان الخاضع للتحقيق في تهم عدة في لبنان ودول أوروبية: إقامة دعوى مخاصمة الدولة أمام الهيئة العامة لمحاكم التمييز، مطمئناً الى الإفلات من العدالة. فالهيئة التي يجب أن تقرّر غير قائمة لأن تشكيلها المقرّر محتجز في وزارة المال بحجة أن غرف التمييز برئاسة قضاة مسيحيين تزيد واحدة عن غرف التمييز برئاسة قضاة مسلمين. وكل نائب يصرّ على ممارسة مسؤولياته النيابية في انتخاب رئيس للجمهورية يصطدم بأن البرلمان مغلق عملياً لأن الجلسات يتم إغلاق محضرها بعد الدورة الأولى.

تراجيديا، ولكن في صورة سوريالية: برلمان مغلق. لا طرف يستطيع إيصال مرشحه الى القصر الجمهوري. لا فرصة للتفاهم على مرشح. لا تراجع من جانب «محور الممانعة» عن مرشحه، ولا رغبة في تجربة انتخابه خلال جلسة من دورات متتالية. ولا ترجمة لمثل هذه الحال سوى الاستمرار في فراغ بلا أُفق. فراغ مملوء، لا بالباقي من المؤسسات بل بالأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية، وتحوّل الأزمة السياسية العميقة أزمة وطنية وسط مخاطر على المصير.

وبكلام آخر، فإن ثمن الطريق المسدود الى الرئاسة هو انحلال الجمهورية. وكلفة الانحلال هي رأس البلد. فلا ما نحن فيه من انهيار هو ما سمّاه جوزف شوبيتر «التدمير الخلاق» وصار «الفوضى البناءة» عند المحافظين الجدد. ولا أحد بمن في ذلك الطرف الذي هو جزء من مشروع إقليمي تقوده إيران، لديه مشروع متكامل لما بعد الانهيار، وقادر على تحقيقه في مواجهة أكثرية لبنانية رافضة التخلي عن هوية لبنان التي هي الحرية والتنوّع والانفتاح وليست مارونية ولا سنية ولا شيعية ولا مستمدّة من أسطورة.

كان ماوتسي تونغ يقول: «الوضع ممتاز ما دامت فوضى كبيرة تسود تحت السماء». لكنه كان يتحدّث عن فوضى تساعد على التقدّم في مشروعه الذي انتصر عام 1949 بقيام الصين الشعبية. أما نحن، فإننا أدوات في فوضى لا تقودنا إلّا الى المزيد من الفوضى.