عماد موسى

الزملاء غسان وإميل وجبران

5 نوار 2020

10 : 15

"الصِحافة كالمرأة، علاقتك بها لا يمكن أن تكون إلاّ علاقة حب... حتى عندما تكرهها تحقد عليها ويكون حقدك وجهاً من وجوه الحب"، كتب غسّان تويني في "سر المهنة... وأصولها"، ويوم تجاورنا في ندوة دعا إليها وزير الإعلام الدكتور ألبير منصور في آذار1991، أهداني أستاذ غسّان مؤلّفه وكتب في الإهداء: "إلى الزميل ( شاب ولكن زميل...) تذكار ندوة إعلامية ما"، وسبق تلك الندوة التي "ثرثرنا" فيها بمواضيع سياسية شتى، و"شوشنا" على صاحب المعالي والمنتدين، وتلتها جلسات استماع، أكثر من حوار، جمعتني بأحد أركان الصحافة العربية طوال ستة عقود وأكثر، ولطالما ردد على مسامعنا نحن "الشباب" متى شعر حماسة زائدة في "ثوريتنا" ومقارباتنا "إنتو متهورين متل إبني جبران".

كنا نتقبّل تلك المقاربة على مضض، ونشعر أننا وغسّان تويني عالقون في علاقة حب واحدة مع اختلاف في نظرتنا إليها. وكان "الأستاذ" يتقبّل الإنتقاد من "الزملاء الشباب"، ويسرّه جداً إن تأكد أن من يجالسه قرأ إفتتاحية النهار.

قبل "زمالتي" مع عميد النهار، وفي سنتي الجامعية الأولى، التقيت الزميل الكبير، صاحب "لسان الحال" ورئيس تحريرها جبران حايك في منزله في الأشرفية. أذكره زميلاً مكللاً بالشيب. صوت أجش. كان وقتها في عقده السابع تقريباً. إستمع إلى طروحاتي الراديكالية التي تبدأ من "دفن الصيغة اللبنانية" ولا تنتهي إلا بتحرير الإرادة اللبنانية والأرض و...و....بناء لبنان الجديد على أسس عصرية. نظر إلي بحنو، وربما بإشفاق وقال لي: "عمو لبنان قائم على التسويات، تسقط تسوية نفتش عن غيرها. تذكّر دائماً شو قال لك عمّك جبران". خرجت يومها ساخطاً ووصفت الزميل الكبير بأنه يعيش في ماضيه، ويوم انتهت الحرب (نظرياً) باتفاق الوفاق الوطني، تذكرت "عمو جبران". معه حق وأنا مخطئ.

أكره جداً أن أكون على خطأ. ولم أهضم يوماً "الإعتذار عن الخطأ فضيلة". أرى أن "الإعتذار عن الخطأ" أشبه بأن تصفع نفسك بنفسك أو أن تشمط أذنك مرتين: مرة بيمناك ومرة بيسراك. ولا أنسى يوم جادلت "الزميل" إميل داغر في فعل "جابه" مقابل تمسّكه بـ"جَبَه". كنت في سنتي الجامعية الرابعة. قال لي: "إنزل إلى المكتبة، وابحث في القواميس، فإن عثرت على هذا الفعل تنل ليرة وإن لم تعثر على هذا الفعل تدفع نصف ليرة". خرجت من صفّ إميل داغر وبعد ساعتين عدت وبيدي نصف ليرة. لم أعتذر. لم يأخذ مني الـ"شرط". لكن طوال ما تبقى من العام والعمر تبنيتُ شعار: "إميل داغر دائماً على حق".

اليوم، وفي أي يوم، أتذكر بحب، "زملاءنا" الواقعين في حب تلك المرأة... زملاؤنا الكبار هم وآباؤنا الدائمون ولو صرنا من دينوصورات المهنة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.