في كلّ مرة يتصفح فيها القارئ العربي موقعًا إخباريًا أو حسابًا على وسائل التواصل الاجتماعي، تتقدّم الأخبار السيئة إلى الواجهة: حروب، جرائم، أزمات اقتصادية، فضائح، وانهيارات. ورغم التذمّر الدائم من "سوداوية الأخبار"، تبقى هذه المواد الأكثر قراءة ومشاركة. فما الذي يدفع القارئ العربي تحديدًا إلى التعلّق بالأخبار السلبية؟ وهل المسألة مجرّد ميل إنساني عام، أم أن للسياق العربي خصوصيته؟
غريزة الخوف
يميل المرء بطبيعته إلى متابعة الأخبار التي تحمل خطرًا أو تهديدًا، لأن الدماغ مبرمج على رصد ما قد يؤثر على البقاء. في العالم العربي، حيث الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية متداخلة، يتحوّل هذا الميل إلى حالة شبه يومية. خبر عن حرب محتملة، أو انهيار اقتصادي، أو توتر أمني، يُقرأ لا بدافع المتعة، بل بدافع القلق ومحاولة الاستعداد للأسوأ. القارئ هنا لا يستهلك الخبر، بل يحاول حماية نفسه عبر المعرفة.
ماذا سيحدث بعد؟
إلى الخوف، يلعب الفضول دورًا أساسيًا. الأخبار السيئة غالبًا ما تأتي بصيغة مفتوحة: تطورات متسارعة، نهايات غير واضحة، وأسئلة بلا أجوبة. على سبيل المثال، خبر عن فضيحة سياسية أو قضية رأي عام يشدّ القارئ لأنه يريد معرفة التفاصيل والخلفيات ومن المتورط، وما إذا كانت هناك محاسبة. هذا الفضول يغذيه العنوان المشوّق والصياغة التي تترك القارئ متعطشًا للمتابعة.
الواقع العربي
في العديد من الدول العربية لم تعد الأخبار السيئة استثناءً، بل جزءًا من المشهد العام. الأزمات المتراكمة تجعل القارئ يشعر أن هذه الأخبار تعبّر عنه وعن معاناته. عندما يقرأ عن ارتفاع الأسعار، البطالة، أو تراجع الخدمات، يرى نفسه داخل الخبر. هنا تتحوّل السلبيّة إلى عامل جذب، لأنها تمنح القارئ شعورًا بأن معاناته مرئية ومشتركة، وليست فردية أو معزولة.
صناعة الجذب
لا يمكن تجاهل دور الإعلام نفسه. العناوين التي تركّز على الصدمة، الخطر، أو المفاجأة، تُصاغ بعناية لجذب "النقرات". كلمات مثل "كارثة"، "انهيار"، "صادم"، و"الأخطر" أصبحت جزءًا من القاموس اليومي. مثال على ذلك، خبر اقتصادي يمكن تقديمه بلغة تحليلية هادئة، لكنه غالبًا ما يُعنون بطريقة درامية تضمن انتشارًا أوسع. هذا الأسلوب يعزز ارتباط القارئ بالأخبار السيئة، حتى وإن اشتكى منها.
هل من بديل؟
رغم هذا الانجذاب، لا يعني الأمر أن القارئ العربي يرفض الأخبار الإيجابية أو القصص الملهمة. المشكلة تكمن في التوازن. عندما تُقدَّم القصص الإنسانية، أو المبادرات الناجحة، أو الحلول الواقعية بأسلوب مهني وجذاب، تحظى بتفاعل لافت. لكن الأخبار السيئة تبقى أسرع انتشارًا لأنها تلامس الخوف والفضول في آن واحد.
في الخلاصة، انجذاب القارئ العربي إلى الأخبار السيئة ليس دليل تشاؤم بقدر ما هو انعكاس لواقع مضطرب، ولطبيعة إنسانية تبحث عمّا يقلقها قبل ما يطمئنها. التحدّي الحقيقي أمام الإعلام هو كسر هذه الحلقة، عبر تقديم واقع صعب بلغة مسؤولة تفتح باب الفهم لا باب الخوف فقط.