بعد مرور أكثر من 30 سنة، قد تتقرب الصين وروسيا من بعضهما مجدداً بسبب أزمة جديدة. في الأشهر القليلة الماضية، انتشرت سلالة جديدة من فيروس كورونا في "ووهان"، مركز الصناعة الصينية، وتحولت إلى وباء عالمي وركود اقتصادي، فنشأت ردود أفعال دولية قاسية تجاه الصين.
في ظل الاضطرابات الأخيرة، كانت روسيا من بين البلدان القليلة التي انحازت إلى الصين ضد منتقديها. وبعدما اتخذت الأزمة الصحية العالمية الراهنة منحىً جيوسياسياً متزايداً، تتكل موسكو وبكين على بعضهما لتبادل الدعم.
أدى فيروس كورونا إلى تشويه صورة الصين في العالم خلال الأشهر الأخيرة وانهيار مصالحها المهنية في الخارج. قادت الولايات المتحدة حملة اتهام بكين، فلامت إدارة ترامب الصين على انتشار الوباء، وهدد عدد متزايد من الجمهوريين في مجلس الشيوخ بإقرار عقوبات ضد الجمهورية الشعبية. كذلك، اتهمت حكومات أوروبية كثيرة الصين بمحاولة اسـتغلال الأزمة لحصد مكاســب سياسية وبإرسـال معدات اختبار شائبة.
حتى أن عدداً من أقـــرب شركاء الصين في إفريقيا هاجم بكين بسبب تحاملها ضد الأفارقة كجزءٍ من تدابير الصحة العامـة فيها.

على صعيد آخر، عمدت قوى اقتصادية آسيوية بارزة إلى تخفيف اتكالها على الصين. فأعلنت اليابان في وقتٍ سابق من هذا الشهر أنها بصدد تقديم حوافز مالية للشركات المحلية لإعادة إنتاجها من الصين إلى اليابان. وفرضت الهند ضوابط جديدة على الاستثمارات الخارجية لمنع العملاء الصينيين من استغلال شركاتها.
في هذا السياق، أصبحت روسيا من المدافعين القلائل عن الصين وأكثرهم قوة على الساحة العالمية. استنكر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الحملات التي تدعو الصين إلى دفع تعويضات عن أضرار فيروس كورونا واعتبرها مواقف صادمة و"غير مقبولة". يقول هذا الديبلوماسي الروسي البارز: "أشعر بالرعب حين أسمع أفكاراً مماثلة"!
رفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدوره الانتقادات القائلة إن الصين لم تتحرك بسرعة كافية لاحتواء الوباء، وأعلن أن هذه المواقف لها "نتائج عكسية" خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في 16 نيسان. لكن ذهب الزعيم الروسي إلى حد الإشادة بـ"الخطوات المتماسكة والفعالة" من جانب السلطات الصينية لمحاربة الفيروس، وأعلن أن هذه الأزمة "أثبتت مجدداً طبيعة الشراكة الاستراتيجية الشاملة والمميزة بين روسيا والصين".
وتزامناً مع إقدام بلدان أخرى على قطع روابطها الاقتصادية مع بكين، قررت موسكو تقوية علاقتها بها. يوم الأربعاء الماضي، أعلن الكرملين أنه سيعطي "صندوق الرفاه الوطني الروسي" الإذن لبدء الاستثمار في اليوان الصيني وسندات الدولة الصينية.
كذلك، تتطلع الحكومة الروسية إلى تنفيذ مشاريع كبرى جديدة مع الصين بعد انحسار الوباء، بما في ذلك بناء خط أنابيب غاز جديد يصل إلى الصين وسكة حديد جديدة وواسعة تربط بين موانئ المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الهندي.
بدأت بكين من جهتها تشتري كميات إضافية من النفط الروسي في ظل انهيار الأسعار العالمية. زادت واردات الصين من النفط الخام الروسي في شهر آذار الماضي بنسبة 31% خلال سنة، وفق تقارير وكالة "رويترز". كان توسّع عمليات شراء النفط من جانب الصين كفيلاً بمساعدة شركات النفط الروسية على الصمود في ظل انهيار الطلب في أوروبا بسبب تفشي فيروس كورونا.
لا يمكن اعتبار اهتمام روسيا بتوثيق علاقاتها مع الصين ظاهرة جديدة. منذ العام 2014، تقربت موسكو من بكين لتخفيف أعباء الضغوط التي فرضها الغرب عليها. لكن جاء الوباء الأخير ليقنع روسيا بأن المستقبل ينتمي إلى الصين.
يقول ألكسي ماسلوف، مدير "معهد دراسات الشرق الأقصى" في "الأكاديمية الروسية للعلوم": "لا تُعتبر الصين مجرّد دولة هزمت فيروس كورونا، بل إنها نجحت أيضاً في تجاوز المصاعب الاقتصادية. كذلك، يتوقع الكثيرون من الصين أن تبدأ بتوسيع نفوذها وأن تروّج لنموذجها الجيوسياسي الجديد بعدما تتعامل مع تحدياتها الداخلية".
اعتبر ماسلوف أن الصين تحتاج إلى شريكة نافذة مثل روسيا لتحقيق طموحاتها العالمية بعد أزمة كورونا، لا سيما في ظل المواقف السلبية المتزايدة من جانب الولايات المتحدة. لذا صرّح لمجلة "ناشونال إنترست" بأن موسكو قد تستعمل ورقة الضغط هذه لكسب دعم بكين في مبادراتها الجيوسياسية.
تستكشف الصين أيضاً احتمال تكثيف تعاونها مع روسيا. إذا استمر تدهور العلاقات مع واشنطن، ستزيد بكين تركيزها على الروابط الاقتصادية الناشئة مع موسكو. هذا ما يتوقعه شين تشانغ، خبير في العلاقات الصينية الروسية في "جامعة شرق الصين العادية" في شنغهاي: "إذا أصبح الانفصال بين الولايات المتحدة والصين واقعاً ملموساً ولم يعد مجرّد عبارات طنانة على طاولة المفاوضات، ستعتبر الصين روسيا وأوراسيا وجهتَين محتملتَين لإعادة هيكلة سلاسل إنتاجها الصناعي".

يذكر شين أن روسيا والصين قد تسرّعان تعاونهما بعد أزمة كورونا على مستوى إزالة الدولرة. اتخذ البلدان في السنوات القليلة الماضية بعض الخطوات الأولية لتخفيف اتكالهما على الدولار الأميركي، لكن أدى تراجع اهتمام بكين بهذا الموضوع إلى إبطاء هذه العملية. لكنّ تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة سيغيّر هذا الوضع برأي شين.
مع ذلك، يشعر البعض في موسكو بالقلق من أن تصبح روسيا في نهاية المطاف الخاسرة الفعلية في أي حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة والصين. صحيح أن روسيا استفادت سابقاً من تصاعد التوتر بين واشنطن وبكين، لكن يحذر ديمتري سوسلوف، أستاذ في العلاقات الدولية في المدرسة العليا للاقتصاد التابعة لجامعة الأبحاث الوطنية في موسكو، من أن التطورات الأخيرة تنذر بما هو أسوأ من ذلك.
يوضح سوسلوف: "يطرح احتدام المواجهة الأميركية الصينية المستمرة تحديات جدية على روسيا لأن تفاقم هذه المواجهة سيكثّف الضغوط على موسكو ويجبرها على الانحياز إلى طرف معيّن، وهو قرار لا تريد روسيا اتخاذه".
برأي سوسلوف، شكّلت السياسة الخارجية الصينية التي تزداد تماسكاً مصدر قلق آخر لموسكو. في ظل انتشار وباء فيروس كورونا، تبنّت بكين شكلاً جديداً من "ديبلوماسية المحارب الذئب": إنها المقاربة التي جعلت عدداً من السفراء الصينيين يتورطون في خلافات محتدمة مع الدول التي تستضيفهم.
يضيف سوسلوف: "بنظر عدد كبير من المراقبين الروس، يبدو أن فيروس كورونا دمّر قيداً سياسياً ونفسياً آخر في السياسة الخارجية الصينية، وهو الجانب الذي منع الصين من طرح نفسها كنموذج يُحتذى به والتأكيد على مكانتها كقوة عالمية رائدة".
خلال العقد الماضي، دعت روسيا والصين معاً إلى تطبيق "مبدأ عدم التدخل" في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وشكّل كرههما المشترك للجهود الأميركية الرامية إلى طرح الولايات المتحدة كديموقراطية عالمية نقطة التقاء أساسية بين البلدين. لكن يحذر سوسلوف من احتمال أن تطلب الصين من روسيا أن تحذو حذوها في نهاية المطاف.
لقد راقبت روسيا حتى الآن معركة الصين ضد فيروس كورونا وأبدت إعجابها بأدائها. لكن هل تتحول هذه المشاعر الودية يوماً إلى بغض نتيجة مبالغة بكين في الاحتفال بإنجازاتها؟