لا تزال أم أديب تبذل بسماتها العريضة، مع ما تبقى من بسمات علقت على إطراف شفتيها منذ أن وجدت نفسها بالأحداث والأحداق. لا تزال تبذل بسماتها للأولاد والأحفاد، وهي تقف عند كتف الله. تبذلها، وهي على يقين (وتزداد يقيناً )بأن العائلة مشكوكة بورود أعوامها الأخيرة، مصحوبة بطاقة لا تقاوم مضبوطة على ساعات عدم إنتهاء الأمرعلى حد. لا حد معها، لا حد . هي صاحبة الجسد الصغير، من يتعاظم حجم جسدها من حال من لم تربهم إلا على التفكر بالآخرين، لا على قذف الناس من النوافذ أو أعالي الجروف لا الحروف. أو أعلى الجسور. ربت ووجدت، هذه السيدة المقدودة من الجروح.كل جرح بقوة جماعة ، مجموعة، جمهور، صراخ يفكر بالصراخ.

لم تخر على طرف السرير، حين قفزت من المواساة إلى القوة . لا يعرف الكثيرون أنها لم تميز بين جنس مذكر وجنس مؤنث حين تقافزت بالمدرسة تمسك الأرضيات من أكتافها، تدعكها بقبضات نظافتها لكي لا يصاب أديب والياس ونجيب وجيمي بنظرات حانقة، ثاقبة، من سير الحياة مغضبة على ضفتهم. حمالة أمتعة الحياة على كتفين رقيقين كنفسين طويلين ، خاطبت الحياة بعبارات لم تفهم معناها، إلا بعد أن غيرت مجرى الأمور، بحيث أضحى الأولاد لا يهابون الهلع. أضحى واحدهم مهندساً والآخر استاذاً والولدان الأخيران مديرين لفرعي مدرسة خدمتها حتى استطاع الأولاد أن يواصلوا السير بدون إرغام.فعلت ما فعلته على مشارف الصبا. ما لا تزال تفعله حتى اليوم، بروح زينة . البارحة: غطست أم أديب في دهشة الحياة الأخيرة. وحين التقت وجهاً بوحه بأبي أديب، وجدت أن البراعة في اللقاء. وجدت أن البراعة في الظهور من اللامكان ، على كتف الله. ظهور غير قاصر. لأنه ظهور السحنة الطيبة على جزء من السماء بوداع العائلة. نظرة من وراء ضباب المشاهد، تلويحة باليد، ثم إعادة الكرة مراراً وهي تصدح بأنغام، كل لحن فندق، فندق ترتفع على جدرانه صور الأولاد والأحفاد، من حرثت لهم ما لا يقع في علاقات المشقة. المزيد من الأوزان للأولاد، للأحفاد، لزوجات الأولاد. أم أديب تبتسم، لأنها ترى الأيدي مرفوعة بالأنخاب كرمى لنومها الباكر على عيون الأولاد والأحفاد، من يؤمنون بأن الموت حق وأن الفقد حر خانق، خنة دائرية. يا طويلة القامة، يانحيلة: وداعاً.