سواء كان يروي حكاية أو يصوّر وثائقياً لا بدّ من التطرّق إلى التاريخ القديم والحديث، الذي، وفق عبيدو باشا، هو جزء من حياتنا، فعندما نرويه نحاول إعادة بعض الإعتبار لأنفسنا، والذي فقدناه في مرحلة ما بعد انقضاض السياسيين على بعضهم وتأليب اللبنانيين على بعضهم ايضاً. معتبراً أن الغوص في الحرب، يفسح في المجال أمام قراءة الحضورين اللبناني والغريب على أرض لبنان. لافتاً إلى أن عدم إطلاع الجمهور على قضية حدثت، يسمح في تجديد أدوات الحرب. من هنا يهدف كتابه "أجزاء ناقصة من حروب زائدة" إلى عرض كلفة الحروب وماهيتها ومساحتها وحدودها، واصفاً إيّاها "بعملية تطهير ذاتية، لإزالة عبء كبير عن كاهلنا".
وعن رأيه بالكتب التي تناولت جوانب معيّنة منها، رأى أن كتّابها، حاولوا تغليب طرف على طرف آخر. معتبراً أنه ينتمي إلى جيل فُرضت عليه الحرب، وخُيّر إما أن يهاجر وإمّا أن يكون جزءاً منها، فانخرط فيها. وقال: "كتب المنتصر الحرب في التاريخين القديم والحديث، أمّا في التجربة اللبنانية، فخرجنا من دون غالب ومغلوب، لذا نفتقد إلى كتاب تربية أو تاريخ مشترك."
ولفت إلى أن وثائقي "مطعم فيصل" يروي تفاصيل عن التاريخ والحرب أيضاً، فجلّ ما يقوم به هو التأريخ، والسبب؟ "أننا شعب شفوي، تضيع تواريخنا في الهواء، فيأتي جيل بعدنا يفتقد إلى ركيزة يستند إليها".
ورداً على سؤال عمّا إذا كان يقصد بالمشروعين، التأريخ بوسيلتين مختلفتين، أجاب: "سأؤرخ بأي وسيلة ممكنة وكيفما استطعت، في الكتابة أو السينما أو المسرح. فمنذ ربيعي الأول عايشت الحروب اللبنانية كلها لذا أكتب رواية كاملة لمجموعة الحروب التي نشأنا عليها".
ولكن ما انعكاس الحرب على شخصية الفنان؟، قال: "محظوظ بولادتي إبّان مرحلة تاريخية عظيمة، لا أرغب في تمجيدها، إنما لا أراها متحفاً للسلاح أو مخزناً للقتلى والجرحى. إنها أوسع من ذلك بكثير، ففي خلالها يتسنّى لنا عيش حيوات في حياة واحدة. الحرب ذات وجوه عدّة، لذا نستطيع من خلالها تكوين شخصيات أخرى مختلفة، ناضجة، قادرة، مخصّبة بالتجارب الفعلية على الأرض".
ولكنّ الفنان يتعرّض لهجوم إن عبّر عن رأيٍ وطنيّ أو سياسيٍّ؟، أجاب: "من حقّ الفنان مارسيل خليفة الشخصي، ألا يؤدي النشيد الوطني اللبناني إنما من دون انتقاد الوضع الإجتماعي. فنحن كأفراد في الحزب الشيوعي مسؤولون أيضاً، لأننا خضنا حرباً أهلية من أجل التغيير وخسرنا. لذا يجب تحمّل هذه المسؤولية بدلاً من رميها على الآخرين. أمّا بالنسبة إلى موقف الممثل باتريك مبارك، فلا أستغربه بعدما دأب السياسيون لعشرات السنين على تحويل لبنان إلى بلد مذهبي. برأيي يجب أن نكون على دراية عميقة بالقضايا قبل التحدث عنها، فالإسلام والمسيحية حضارتان، فيما يحوّلهما السياسيون إلى دينين ومذهبين. على كلٍ لمبارك ظروف صحية وعائلية ومادية، لذا لا يستحق التوقّف عند تصريحه".
وعن سبب افتقار لبنان راهناً لمثقفين وقادة فكر، قال: "بلا أحزاب لا ديموقراطية وبلا ديموقراطية لا أحزاب، إنما هذه المقولة سقطت في لبنان، لأن قادة الأحزاب ومسؤوليها إعتبروا أنهم بوقوفهم على القمّة، أصبحوا الأكثر فهماً، فيما قبول الرأي الآخر في السياسة والدين محفّز لتحقيق الأفضل". معتبراً أنه في غياب البيئة والظروف التي توافرت ماضياً فقدنا الثقافة، وعندما نفتقر إلى الأفكار، تغيب الأشكال". شارحاً أنه في الصراع بين الرأسمالية والإشتراكية، إستُخدمت كل الوسائل العسكرية والإقتصادية والثقافية، ما أدّى إلى إشتباك فكري ولّد عشرات الأفكار في المسرح والتلفزيون والفنّ، فاستفادوا من الروح الثقافية تلك، لتقديم أشكال غير مختبرة بعد، وعرض عشرات الأفكار المبتكرة، فيما نعيش راهناً أحادية في سيطرة أميركا على العالم، عبر منطق العولمة أي تحويل العالم إلى ريفٍ، ما يخنق أي مسرب لخروج أشكال التعبير إلى العالم، لتبقى أميركا المدينة الوحيدة".
عبيدو باشا الذي ساهم في تأسيس مسارح لبنانية عدّة، رأى أن ثمة معضلة في سيطرة السفارات الأجنبية وبعض الصناديق العربية على التجارب المسرحية وفرضها المواضيع على المسرحيين، ما يحول دون تعبيرهم الحرّ في ظلّ غياب دعم الدولة.
أمّا عن تقويمه لتجربة "بيروت واو" التلفزيونية، فقال: "منذ السبعينات قررت التخلي عن التلفزيون لأنه لا يليق بشخصي الكريم وحضوري. لكنني وجدت في نصّ فادي ناصر الدين مادة قابلة للتجسيد يمكن الإستناد إليها لبناء الشخصية التي توافرت عناصر تكوينها كافة، خلافاً لما نراه عبر الشاشات. إنه مسلسل يحكي عن فيلسوف على حافة الجنون يتعامل مع الناس بهواجس معيّنة. لم أتردد لحظة عند قراءة النصّ، ولا بعد بدء التصوير لأن ناصر الدين يدرك تماماً ما يقوله وما يريد، فضلاً عن مهنية فريق العمل".