يعرض المسلسل الدرامي الجديد Class Act (عمل راقٍ) على شبكة «نتفلكس» نسخة خيالية من حياة رجل الأعمال الفرنسي المثير للجدل برنارد تابي. هو نشأ في أسرة من الطبقة الوسطى، ثم امتلك شركات خاصة به مثل Wonder Tires وAdidas قبل أن يصبح رئيس نادي «أولمبيك مارسيليا» لكرة القدم. لكن رغم إنجازاته الكثيرة، يربط معظم الناس اسمه حتى الآن بالفضائح والقضايا الشائكة التي تورّط بها. يعرض المسلسل قصّة نجاحه وانهياره على مرّ سبع حلقات، تمتدّ كل حلقة منها على ساعة تقريباً. يجمع العمل بين الواقع والخيال، وهو يضيف جوانب من حياته الشخصية والعائلية، علماً أن البعض يعتبر هذه الجوانب مفبركة في معظمها.
أراد برنارد تابي، في بداية سن الرشد، أن يصبح مغنياً محترفاً ويشارك في جولات عالمية، وسرعان ما انهار حلمه وعاد إلى عالم النضال والشقاء. لكن كان هذا الرجل مُصمّماً منذ عمر مبكر نسبياً على تحقيق النجاح في حياته وبلوغ أعلى مراتب المجتمع. بعد سلسلة من المساعي المهنية الفاشلة، غيّر تابي أساليبه بما يتماشى مع الظروف المتبدلة من حوله. لقد أدرك أن امتلاك شركات فاشلة مقابل سعر رخيص هو المشروع الأكثر ربحاً في عصره، فبدأ يشتري شركات متعثرة. بعد تحقيق بعض النجاحات لاحقاً، وجد نفسه في معترك السياسة وحقّق في الوقت نفسه نجاحات إضافية في مهنته الأصلية. هو نجح في شراء الماركة الرياضية العالمية «أديداس»، ثم اشترى نادي «أولمبيك مارسيليا» الذي أصبح برئاسته أول نادٍ فرنسي يفوز بكأس دوري أبطال أوروبا، في العام 1993، وهو لا يزال النادي الفرنسي الوحيد الذي حقّق هذا الإنجاز.
لكن رغم هذه الإنجازات اللافتة والتاريخية، واجه تابي ظروفاً شائكة، منها صفقات صعبة، وضغوط من نقابة العمال، ومجموعة فضائح. بسبب طموحاته المفرطة واعتياده اتخاذ قرارات غير مألوفة ومحفوفة بالمخاطر لكن مربحة جداً، وجد هذا الرجل نفسه وسط عدد من القضايا المثيرة للجدل على مرّ مسيرته المهنية. يعرض المسلسل جزءاً من تلك القرارات والفضائح، إذ سنشاهد تابي وهو يتحوّل من نكرة إلى مرشّح محتمل لرئاسة البلد. تتعدّد اللحظات المضحكة، لا سيّما عندما ينظّم الرجل اجتماعاً مفبركاً مع أمير مزيف لدبي، وصولاً إلى الفضيحة الكبرى التي أسقطته حين اشتُبِه بأنه تلقّى رشاوى وتلاعب بنتائج المباريات.
يحمل المسلسل طابعاً ترفيهياً بدرجة معينة، لكن لا يمكن الاتّكال عليه كمصدر جدير بالثقة لمعرفة تاريخ رجل الأعمال الفرنسي بدقة. يُخصّص صانعو العمل جزءاً كبيراً من المسلسل لعرض حياة تابي العائلية، وهي تبدو مضطربة ومعقّدة أحياناً بقدر مسيرته المهنية. لكن أضيفت جوانب درامية أو خيالية بالكامل إلى معظم هذه اللحظات لإضفاء طابع جاذب على الشخصيات. تُحقّق هذه الإضافة هدفها وتكشف لنا شخصية تابي في حياته العادية.
قد تكون الحبكة أقوى جانب من المسلسل كله، لذا يصبّ تركيز صانعي العمل على مسار القصة بكل وضوح. الأحداث المثيرة للاهتمام والتغيّرات المتواصلة في حياة بطل القصة هي أكثر ما يجذب اهتمام المشاهدين. في المقابل، يبدو تطوّر الشخصيات أو تغيّر الروابط بينها أقلّ قوة وإثارة. في هذا المجال، كان يمكن اختصار مدة المشاهد المخصصة للعائلة أو حياة برنارد الشخصية لأنها لا تؤثر فعلياً في نوعية المسلسل ككل. تجدر الإشارة أيضاً إلى أن أفراداً من عائلة تابي اعترضوا على عرض المسلسل على «نتفلكس» بسبب هذا النوع من اللحظات الخيالية والمليئة بالعناصر الدرامية.
ثمة اختلاف واضح في أجواء العمل بين الجزء الأول من المسلسل وحلقاته الأخيرة. يغطي النصف الثاني من الحلقات أحداثاً أكثر إثارة، مثل فوز فريق «مارسيليا» في دوري أبطال أوروبا ثم التحقيقات المرتبطة بفضيحة التلاعب بنتائج المباريات، لكن تفتقر هذه الأحداث إلى السحر الذي يميّز النصف الأول من الحلقات. في المقابل، تُعرّفنا الحلقات الأولى على شخصية «تابي»، ويحمل هذا الجانب من العمل جاذبية كبرى لأنه يمنحنا فرصة مشاهدة مسيرة نجاحه. لا يمكن الجمع بين هذين العاملَين للأسف، ما يحرم المسلسل من جوانبه الممتعة بدرجة معينة. في غضون ذلك، يؤثر التركيز المفرط في حياة الرجل الشخصية بإيقاع الأحداث العامة، مع أن تلك اللحظات لا تخدم الحبكة بالشكل المطلوب.
بما أن الحبكة تتراوح بين فترة السبعينات والتسعينات، يجيد صانعو العمل تجسيد تلك الحقبة ويعرضون ما كانت عليه فرنسا حينها على أكمل وجه. حتى أنهم يقدّمون جزءاً من المشاهد بالأسلوب التلفزيوني القديم لإضفاء طابع صحافي وواقعي على الأحداث المعروضة. مع اقتراب النهاية، يعرض المسلسل أيضاً عدداً من المقاطع الإخبارية حول برنارد تابي الحقيقي. في ما يخص الأداء التمثيلي، يبلي جميع الممثلين حسناً، لكن لا يخطف أحد الأضواء من الآخرين. من الطبيعي أن يظهر لوران لافيت، بدور بيرنارد تابي، وجوزفين جابي، بدور زوجته دومينيك تابي، أكثر من الممثلين الآخرين على مرّ المسلسل، وهما يقدّمان أداءً مقنعاً في جميع المشاهد. على صعيد آخر، لا شيء مميز أو مبهر في أسلوب الإخراج، إذ يصبّ التركيز في المقام الأول على سرد القصة الأساسية، من دون الاهتمام بطريقة عرضها. بشكل عام، يستحقّ المسلسل المشاهدة لكنه قد يعجب المشاهدين الفرنسيين على وجه التحديد لأنهم عاشوا اللحظات المعروضة مباشرةً. مع ذلك، لا يتّسم العمل بأي ميزة قد تجعله تجربة لا يمكن نسيانها.