حسان الزين

لا أحب أمين معلوف

30 أيلول 2023

02 : 02

أمين معلوف

أحبُّ أمين معلوف، شخصاً وأعمالاً روائية وسردية فكرية. على رغم مسيرته الأكاديمية الفرنسية، الملكية، ما زال إنساناً لبنانيّاً، أو مشرقيّاً. ملامحه تذكّر بذلك. مؤلّفاته أيضاً، وكذلك سيرته. فهجرته ليست بعيدة. هو قرّر إبان الحرب (1975 – 1990)، وكان في أواخر العشرينات من عمره (مواليد 1949)، حزم حقائبه ومغادرة بلاده، حيث ينتشر العنف وتنمو الطائفية وتغرق الحضارات المتنوعة المتعدّدة، تحت وطأة الحروب والاحتلالات والأنظمة الاستبدادية... والاستعمار.

لا أحبّه لكونه لبنانيَّ الأصل، أو لأنه، كما يُقال ويُكرر بفخر، شابٌ طالبٌ وصحافيٌ في بيروت، بل أحبّه لأنه قريب. هذا الكائن العالمي، البعيد جغرافيّاً، المتواري خلف أسوار الكتابة والمهنة والحياة الخاصة، ما زال قريباً. وليست المسألة هي أنه لم يتنكّر للبنانيّته وعربيّته، على رغم انغماسه في فرنسيّته. الأمر ليس كذلك. المسألة هي أنه يحيي صلة القرابة. وقرابته ليست لعرق أو لبلد ومجتمع بعينه. قرابته للبشرية جمعاء، وللحضارات كلّها، وللإنسان الفرد. فهو الذي لا يُخفي انتماءه الأول، يؤكد انتماءه إلى الحضارات المتنوّعة المتعدّدة في المكان الأول. وكأنه لا ينتمي إلى جغرافيا وأرض إلا بقدر ما هما متنوعتان، إنسانياً وحضاريّاً وثقافياً وسياسياً. هو ينتمي إلى التنوع والتعدد، وإلى ثقافة وممارسة حفظ هذا وذاك.

هكذا، يبدو هذا المتحسّر الحزين على «غرق الحضارات» في هذه الجغرافيا وهذه الأرض، ينتمي إلى ما كان، لا إلى المكان، ولا إلى ما آل إليه هذا المكان من آحادية وطائفية ومذهبية وصراعات وحروب. وفيما يحلو لنا، لكثيرين من اللبنانيّات واللبنانيين، أن نذكّر فخورين بأصله، يبدو هو بعيداً عما نحن الآن، وعما عليه وطننا. وكأنه ليس لبنانياً من لبنان اليوم، إنما هو لبنانيٌّ من لبنان الأمس، وعربي من عرب الأمس، حين كانت بلداننا متنوّعة تسامحية تسير بهدوء، ولو بتثاقل ومع صعوبات، نحو الحداثة والديمقراطية. وإذ نفرح بالإحساس بأنه قريب، فلأنه يذكّرنا بما كان، بما كنّا، وربما بما كان يجب أن يكون وأن نكون عليه. ولا نذهب أبعد من ذلك، لأن في الأمر مخاطرة أن نحزن. نتذكّر أصله، ونعيد إحياء ذلك من أجلنا، من أجل أن ننسب إلى أنفسنا وبلادنا نجاحاً فلت من «السجن الكبير»، كما سمّى كمال جنبلاط عالمنا العربي.

وهو بدوره لا يمسك بيدنا لنغادر ما نحن فيه. يذكّرنا، من خلال اسمه، كتاباته، فكره، سيرته، مسيرته، ملامحه، بأنه منّا، من الناس، من هذه البلاد، من هذه المعمورة، قبل الغرق بالأحاديات والاستبدادات والحروب والصراعات والضياعات والتشاؤمات والنهايات. وهذا مؤلم بقدر ما هو ناجح. أمين معلوف ناجح في وصف مجدنا وبؤسنا، في تجديد تنوّعنا وتعددنا البشريين الحضاريين، لكن فيه هو، وناجح في تعرية الأحاديات والطائفيات والاستبدادات والصراعات، لكن فينا نحن وفي بلادنا. فهذا البعيد منا اليوم، القريب مما كنّا ومما نرغب فيه، يكشف أننا نعيش مثل سيزيف تحت «صخرة» أمين معلوف فوق حضارات تغرق.

نقول: أمين معلوف منّا! وهو يقول: أنا منكم! لكن الفارق بين القولين شاسع. فنحن هنا الآن، وهو كان هنا ليس في ما مضى فحسب بل في ما خسرناه.

لا أحب أمين معلوف لأنه يذكرني بخسارة وطن.