يغادرنا رموز الزمن الجميل في مهنة المتاعب، الذين كانت لهم جولات وصولات في الصحافة السياسية المحلية والعربية، الواحد تلو الآخر. والأسف أنهم يأفلون بالتزامن مع أفول لبنان الذي ساهم كل منهم على قدر أفعاله، في صنع جمال زمنه الماضي الذي استحال مجرد ذكرى، من دون أن يخبرونا إذا كان سينتقل إلى مرحلة جديدة في التكيّف مع تحولات دولية وإقليمية، أم أنها نهاية حلم، طال سرابه وعلا ضجيجه.
بغياب الياس الديري، الذي زيّن الصفحة الأخيرة من «النهار» بتوقيع «زيّان»، خلال العقود الثلاثة الأخيرة من عمره المهني المديد الذي كان بدأه في مرحلة صعود الصحافة اللبنانية وتميُّزها، يرحل قلم من النادر أن يجمع في شخصيته ميزات تلك الحقبة التي يحن إليها من سنحت له الفرصة من الزملاء، أن يؤسس احترافه خلالها. إنها مرحلة الكبار في الإعلام اللبناني، الذين صنعوا تألّقها، بالتناغم مع صعود دور بيروت على الأصعدة الاقتصادية والثقافية والتعليمية والفنية والأدبية والتجارية والمصرفية والإعلامية... وبمواكبة الحداثة وصنوف الإبداع. والياس الديري واحد من القلائل الذين جمعوا صفات تختزل الكثير من تلك الحقبة، إضافة إلى الكفاءة في المغامرة والإقدام في الكتابة الصحافية بلغة أنيقة وجميلة وساخرة، تبث الروح في نصوص نقل الأخبار والتحليل السياسي والتقارير السردية للأحداث والمقابلات والأحاديث المسجلة.
كان منذ السبعينات من أوائل من وثّقوا في كراسات صدرت عن «النهار» بروفايلات المرشحين للرئاسة اللبنانية، فباتت مرجعأ لتوثيق مرحلة مهمة من تاريخ البلد، إلى أن تصاعدت تعقيدات الأزمة اللبنانية بفعل الوجود الفلسطيني، بالتدخلات الخارجية، ولا سيما الدخول السوري فآثر الهجرة على التعايش مع بداية خنق الحريات الذي اشتم قدومه باكراً.
عاد إلى «النهار» في بيروت بعد إنهاء «حروب الآخرين على أرضنا»، التي ضربت لبنان وإثر الهجرة القسرية التي فرضتها عليه، بداية إلى فرنسا حيث تولى رئاسة تحرير «النهار العربي والدولي» التي أسسها جبران تويني، ثم إلى قبرص حيث أصدر مجلة متخصصة كانت بمثابة حلمه، اضطر إلى وقفها نتيجة النقص في التمويل. حاول مقاومة إلحاح غسان تويني عليه أن يعود، لكنه رضخ. ومن العوامل التي أقنعته تعويله على مشروع رفيق الحريري لاستعادة لبنان دوره في المنطقة، من شدة مراهنته على عودة بيروت إلى سابق عهدها وألقها. لكن الأمور أخذت منحىً مخالفاً لرهان اللبنانيين ورهانه.
هو من القلائل الذين جاؤوا إلى المهنة من عالم كتابة القصة والرواية الأدبية. والأصح بالنسبة إلى الياس الديري أن كتاباته الأدبية كانت وراء استدعائه إلى الصحافة التي شغف بها، ومن مقاعد الدراسة، وتجربة التعرّف إلى الفكر القومي السوري. تلك الخلفية ساعدته على تكوين شخصية مستقلة تتغذى بالانفتاح وحب البحث عن الحقيقة وجعلت من كتاباته مدرسة في استخدام جذاب للقلم الذي رفض التخلي عنه حتى في زمن تعميم الكومبيوتر والوسائل الحديثة، ملتصقاً بـ»الصحافة المكتوبة». ولربما هذا من الأسباب التي أبعدته عن شاشات التلفزة والحضور الإذاعي، خلافاً للكثير من زملائه، فكان قليل الظهور، قياساً إلى كثير منهم متجنباً الانزلاق إلى استسهال إطلاق الأحكام الذي بات يغلب على بعض الندوات والمقابلات. فالكتابة تسمح بالتفكير والتمعن بالأفكار قبل النطق بها...
نسج الياس الديري علاقات احترام وثقة مع قيادات الصف الأول الكبار ومع القادة الفلسطينيين التاريخيين. وكان أقطاب السياسة اللبنانية، لا سيما صائب سلام وريمون إده وكمال جنبلاط وسليمان فرنجية الجد ورفيق الحريري وغيرهم، يأنسون لمجالسته والاستماع إلى تقييمه، في معرض استجوابه السلس لهم حول خفايا السياسة المحلية والإقليمية، ورافق بعضهم عن قرب وحفظ أسرار ائتمنوه عليها، صنعت تحولات كانوا لاعبين أساسيين فيها. كما صادق مسؤولين عرباً مهتمين بلبنان أمثال الملك السعودي الحالي خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبد العزيز، حين كان ما زال أميراً لمنطقة الرياض.
بقي الياس الديري على تواضعه ونافست أناقته في الكتابة، دوام أناقته في كل مظاهر الحياة، لبساً ومأكلاً ومشرباً وسهراً ظريفاً وسفراً وحباً وشغفاً بالفنون ولا سيما الطرب العربي الأصيل والموسيقى الراقية، فكان يلقن شركاءه في سماعها ومغناها، أصول التمتع بها...
الياس الديري افتقدته الصحافة في آخر ما يقارب الثلاث سنوات، بعدما غادر مكتبه في «النهار»، والذي استمر يداوم فيه رغم تهشيمه جراء انفجار مرفأ بيروت، وستفتقده أكثر.