في الحرب السابقة بين إسرائيل وحركة «حماس»، توصّل الطرفان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بعد 11 يوماً من القتال. أعلن كلاهما النصر، وتوقّع كل طرف منهما خوض جولة أخرى من القتال مستقبلاً. من وجهة نظر إسرائيل، كان نظام «القبة الحديدية» للدفاع الجوي عاملاً أساسياً في نجاحها، فهو يستعمل الرادار والقذائف لاعتراض الصواريخ وتهديدات أخرى، وهو الذي أبقى المدنيين الإسرائيليين بعيدين نسبياً عن الصواريخ التي أعلن جيش الدفاع الإسرائيلي انطلاقها من غزة وبلغ عددها 4340 صاروخاً. كان يُفترض أن يجتمع وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس مع نظيره الأميركي لويد أوستن منذ أيام لتلقي مساعدات عسكرية عاجلة بقيمة مليار دولار وتسهيل إعادة تعبئة أجهزة الاعتراض المستعملة في الحروب ضمن نظام «القبة الحديدية».
يبدو الصراع المستجد الآن مختلفاً عن الحروب السابقة في الأعوام 2009، و2012، و2014. حتى أنه يختلف عن جولتَي القتال اللتين امتدتا على أيام عدة في العامَين 2018 و2019. يبدو هذا الصراع مختلفاً بسبب العدد غير المسبوق من الصواريخ التي أطلقتها «حماس» وتراجع المكاسب التي تُحققها إسرائيل حين تحاول التصدي لهذه الحركة المسلّحة.
يعتبر عناصر «حماس» وداعموها في إيران أن الحرب الأخيرة كانت ناجحة. اخترق أكثر من 60 صاروخاً مظلة الدفاع الجوي الإسرائيلية، واستُعمِل وابل من الصواريخ لاستهداف البنية التحتية الاستراتيجية. تفاخرت قناة «برس تي في» الإيرانية، في 14 أيار، باستهداف «حماس» لبطاريات «القبة الحديدية» والمطارات الإسرائيلية. استخدمت «حماس» وابلاً من الصواريخ بطريقة جديدة، فهي مُصممة على ما يبدو لاختبار أنظمة «القبة الحديدية» أو محاولة التفوق عليها.
إنطلق حتى 140 صاروخاً لبضع دقائق على دفعات عدة، فامتلأت بها سماء تل أبيب، وأسدود، وعسقلان. أنا شخصياً شاهدتُ عدداً كبيراً من تلك الجولات المكثفة من طريق سريع بالقرب من قطاع غزة. ملأ الدخان الأبيض المنبثق من أجهزة الاعتراض في نظام «القبة الحديدية» السماء، فأصبح مشابهاً للوحات الرسام الأميركي جاكسون بولوك. كان المشهد مبهراً، لكنه يعكس في الوقت نفسه الحدود التشغيلية لاستعمال هذا النوع من أنظمة الدفاع الجوي.
وجّهت تلك الحرب رسالة مفادها أن دفاعات إسرائيل الجوية قد لا تكون كافية يوماً لاعتراض كميات كبيرة من الصواريخ. لن تعترف إسرائيل بهذا الواقع، لكن لا مفر من أن تبلغ هذه التكنولوجيا ذروتها الاستراتيجية في مرحلة معيّنة.
تتزامن هذه السنة مع الذكرى العاشرة لإنشاء نظام «القبة الحديدية». قبل الحرب الأخيرة في غزة، اعترض هذا النظام أكثر من 2500 صاروخ. كانت وزارة الدفاع الإسرائيلية ومنظمة الدفاع الصاروخي الإسرائيلي قد طوّرتا ذلك النظام لمواجهة التهديدات المتزايدة التي تطرحها صواريخ «حزب الله» بعد حرب العام 2006 وللتعامل مع تهديدات «حماس» التي استولت على قطاع غزة في العام 2007، فأصبح النظام ركيزة للدفاع الصاروخي متعدد الطبقات في إسرائيل. صمّمت شركة «أنظمة رافائيل الدفاعية المتقدمة» (من أهم شركات صناعة الدفاع العملاقة في إسرائيل) هذا النظام الذي يتلقى راهناً دعماً مالياً من الحكومة الأميركية، وقد حصل الجيش الأميركي على بطاريتَين منه.
تقول إسرائيل إن معدل نجاح نظام «القبة الحديدية» يصل إلى 90%. لا تذكر الحكومة شيئاً عن عدد الصواريخ التي تم اعتراضها، لكنها أعلنت في 15 أيار أن النظام اعترض حوالى ألف صاروخ من أصل 2300. في المقابل، تم اعتراض 240 صاروخاً من أصل 690 انطلقت من غزة في أيار 2019.
لكن لن تكون بطاريات «القبة الحديدية» وأجهزة الاعتراض فيها لامتناهية. كان مفهوم «القبة الحديدية» يهدف في الأصل إلى حماية المدنيين ومنح السياسيين الإسرائيليين فرصة لتحديد ما يجب فعله من دون الاضطرار لإطلاق غزو برّي. إذا سقط ألف صاروخ فوق المدن الإسرائيلية من دون وجود نظام دفاعي، كانت الدبابات الإسرائيلية لتضطر لاجتياح غزة لوقف إطلاق الصواريخ، كما فعلت في العام 2009.
لكن لجأت إسرائيل هذه المرة إلى الخطة العسكرية التكتيكية التي اعتادت عليها، فاتكلت الضربات الجوية الدقيقة على معدات مثل ذخائر الهجوم المباشر المشترك. نتيجةً لذلك، واجهت إسرائيل تداعيات دولية، منها انتكاسة استراتيجية، وإضعاف نظام الردع ضد عملاء إيران، تزامناً مع اقتناع الكثيرين بأن إسرائيل بدأت تفقد السيطرة، فقُتِل عدد إضافي من المدنيين رغم دقة اعتداءاتها. جُمِعت معلومات استخبارية حول المواقع التي هاجمتها إسرائيل على مر سنوات، لكن تثبت النتيجة النهائية أن أنظمة إسرائيل الدفاعية، مثل «القبة الحديدية»، وعناصر تفوّقها العسكري تفتقر إلى استراتيجية واضحة على المدى الطويل.
برأي عدد كبير من المراقبين، قد تكون هذه الحروب في غزة متداخلة لأن ملامحها العامة متشابهة، لكن ستطلق الحرب الأخيرة حقبة جديدة على ما يبدو. كان نظام «القبة الحديدية» أساسياً لمنع تساقط الصواريخ فوق تل أبيب، وعسقلان، ومدن إسرائيلية مستهدفة أخرى، لكنه أوضح غياب أي حلّ للمشكلة العامة التي تطرحها حركة «حماس» من خلال السيطرة على غزة وإطلاق الصواريخ نحو إسرائيل من القطاع المحاصر.
قد ينتج هذا المأزق معضلة شائكة بمعنى الكلمة. لن ترفع إسرائيل حصارها الساحلي عن غزة إلا إذا تخلّت «حماس» عن السلطة وتوقّف تهريب الأسلحة. تتابع بلدان مثل إيران تزويد «حماس» بالأسلحة والمهارات، ما يؤدي إلى توسّع ترسانة الصواريخ التي تملكها الحركة. كذلك، تريد «حماس» استعمال غزة كمنصة لإعادة التأكيد على أهمية دورها في الضفة الغربية، حيث تُعتبر السلطة الوطنية الفلسطينية المعترف بها دولياً مسؤولة عن الحُكم. قامت السلطة الفلسطينية بتأجيل الانتخابات التي لم تحصل منذ عقد ونصف، في أواخر نيسان الماضي، وهذا ما يفسّر على الأرجح حسابات «حماس» المدروسة بشأن رغبتها في شنّ حرب لتحسين مكانتها. منحت إسرائيل حركة «حماس» المبرّر الذي تحتاج إليه حين أرسلت الشرطة إلى المسجد الأقصى في القدس خلال شهر رمضان، في 9 أيار.
لكن ما الذي تغيّر في 10 أيار؟ يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حملة إلغاء سياسية، بعدما فشل أربع مرات في تشكيل حكومة وكاد يخسرها حين أعلنت أحزاب المعارضة أنها باتت مستعدة لتشكيل ائتلاف موحّد يرتكز بشكلٍ أساسي على كره نتنياهو. تظن «حماس» أنها حوّلت الاضطرابات في القدس إلى نجاح باهر بفضل حملتها الأخيرة. هي تتفاخر بامتلاكها مئات الأميال من الأنفاق تحت الأرض وتراجع الأضرار التي تعرّضت لها. في غضون ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه تسبّب بانتكاسة لـ»حماس» عبر استهداف 60 ميلاً من الأنفاق تحت الأرض والمخابئ التي تستعملها الحركة لنقل الذخائر. هو استهدف 24 قيادياً في «حماس» أيضاً.
لكن يحذر الدبلوماسيون الإسرائيليون في الخارج من نقص الموظفين في سفاراتهم وعجزهم عن التكيف مع تداعيات الحرب. كذلك، واجه نجاح إسرائيل في عقد السلام مع دولتَين خليجيتَين والسودان في السنة الماضية انتكاسة واضحة. في الوقت نفسه، أعلنت إيران، عدوة إسرائيل الرئيسة، أن «النظام الصهيوني بدأ ينهار». حتى أنها أرسلت طائرة مسيّرة نحو شمال إسرائيل خلال القتال الأخير لاختبار الدفاعات الإسرائيلية.
أصبح كابوس إسرائيل المرتبط باندلاع حرب متعددة الجبهات وشيكاً، ويدرك خصوم البلد هذا الواقع. يُعتبر نظام «القبة الحديدية» رداً تكتيكياً على تهديد إقليمي حقيقي. تتوقع إسرائيل أن يطلق «حزب الله» ألفَي صاروخ يومياً خلال الحرب المقبلة، وقد تدرّبت إسرائيل على استهداف حتى 3 آلاف موقع يومياً في أي صراع مستقبلي وزادت قدرات أنظمتها الدفاعية الجوية متعددة الطبقات للتعامل مع هذا النوع من السيناريوات.
تكشف الحرب الأخيرة مع «حماس» أن نظام «القبة الحديدية» لم يكن يوماً مجرّد عصا سحرية للفوز في الحروب أو ردع الأعداء، مع أنه حقق الأهداف المتوقعة منه سابقاً، كما أن عقيدة الضربات الجوية الدقيقة التي تستعملها إسرائيل لمواجهة التهديدات أسفرت رغم كل شيء عن مقتل عشرات المدنيين في غزة. لم تتقبل أطراف كثيرة في المجتمع الدولي هذه الحصيلة، فزادت الضغوط على إسرائيل لوقف القتال.
نجح نظام «القبة الحديدية» الإسرائيلي في إبقاء البلد خارج معظم الحروب البرية الكبرى خلال العقد الأخير، لكنه بلغ الآن ذروته الاستراتيجية على الأرجح، ما يعني أن القادة الإسرائيليين في أعلى المراتب باتوا يحتاجون إلى خطة جديدة اليوم.