يحتاج أحدث فيلم تشويق على شبكة «نتفلكس»، Nowhere (اللامكان)، إلى وقتٍ طويل قبل أن يستجمع نفسه، وهو يجد صعوبة في نقل الأجواء التي تناسب القصة المطروحة. لكنّ أداء الممثلة آنا كاستيلو المتقن يمنع تراجع مستواه العام. بعد عرض مقدمة تقليدية ثقيلة حيث توضع أزمة اللاجئين في إطار مستقبلي بائس، فيتعرّض الأولاد والنساء للقتل أو الاحتجاز في أقفاص (بدل عرض لقطات حقيقية من مواقع اللاجئين حول العالم بعد العام 2020)، يتحوّل الفيلم إلى قصة نجاة تدور حول شخصية واحدة في موقع تصوير واحد. يقدّم الفيلم أفضل ما لديه في هذا الإطار بالذات، فيتمحور حول امرأة مستعدة لفعل كلّ ما يلزم للصمود وإبقاء مولودها الجديد على قيد الحياة. تتعدّد الخيارات المخيّبة للآمال على مستوى الإخراج، لكن يسهل أن نتغاضى عن هذه الشوائب بفضل أداء كاستيلو المؤثر.
تجسّد كاستيلو دور «ميا» الحامل، شريكة «نيكو» (تامار نوفاس). سنتعرّف إلى هذا الثنائي وهو يهرب من أحد البلدان بعد احتدام أعمال العنف فيه. هما يختبئان من الكلاب وأضواء المروحيات في منطقة مخصّصة لمستودعات الشحن قبل دخول حاوية تستعدّ للإبحار نحو الحرية. لن تسير الرحلة على ما يرام طبعاً، ويضطر الثنائي للانفصال ويدخل كل واحد منهما إلى حاوية مختلفة في نهاية المطاف. يتّجه «نيكو» نحو مكان يوحي بأن نهايته ستكون عنيفة، بينما تصبح «ميا» عالقة مع عدد من الغرباء قبل أن يستولي الجنود على سفينتهم، ثم يُقتَل الجميع باستثناء «ميا». سرعان ما نشاهدها وهي تائهة في المحيط، ولا تملك إمدادات كثيرة، ولا تجيد العودة إلى ديارها، ثم يبدأ مخاضها.
يقدّم الفيلم أفضل محتوى حين يفتح المجال أمام تطوّر الأحداث طبيعياً، فتحاول «ميا» الخروج من السقف وتسعى إلى استكشاف طرق الصيد. تتماشى هذه المشاهد المنطقية والمؤثرة مع أبسط أسس حكايات النجاة وتسمح للجميع بالتساؤل عمّا كانوا ليفعلوه لو واجهوا الموقف نفسه. هل يمكن أن نتعلّم سبل النجاة في مكان مجهول ولمدة غير محددة من الزمن؟ هل سنكتفي بالبكاء أم ننتظر الموت بكل بساطة؟ سرعان ما تتغيّر الأجواء التقليدية التي تطبع قصص الناجين مع ولادة الطفل. لا تكتفي «ميا» بعد هذه المرحلة بمحاولة البقاء على قيد الحياة، بل تناضل من أجل طفلها. تزداد قوة هذا الحدث حين نعرف أنها خسرت طفلاً آخر قبل بدء هذا الفصل الدرامي كله.
ينجح المخرج ألبيرت بينتو في استخراج أفضل أداء من كاستيلو. قد تبدو هذه الممثلة متصنّعة أكثر من اللزوم للوهلة الأولى (يتعلّق السبب بسوء الحوارات في بداية الفيلم)، لكنها تعود وتتقمّص الشخصية على أكمل وجه بعد إنجاب طفلها وتتحوّل إلى قوة جارفة هدفها البقاء على قيد الحياة. تطغى أحداث مؤثرة على تجربة الأمومة التي تعيشها. نسمع دوماً قصصاً عن أمهات يقمن بالمستحيل لإنقاذ أولادهن، وتنجح كاستيلو في هذا الفيلم بإقناع المشاهدين بأن الاستسلام ليس خياراً ممكناً لأنها تريد إنقاذ طفلها أكثر من رغبتها في إنقاذ نفسها.
يحمل الإخراج بعض الجوانب المتكلّفة، لا سيما في طريقة عرض مساحة الحاوية الداخلية. كان يمكن تصوير هذا المكان بتقنية أفضل. يبدو الموقع خانقاً وضيقاً بدرجة إضافية، لكنه ليس مكاناً مناسباً للتصوير. حتى أن أسلوب المونتاج يبدو مبالغاً فيه أحياناً، مع أن المخرج كان ليعطي أثراً أقوى لو أنه عرض لقطات أطول، وحدّد المدة التي تبقى فيها «ميا» عالقة هناك، وعَكَس حجم اليأس الذي تعيشه. لا يستفيد العمل أيضاً من تكرار المشاهد نفسها طوال ساعتَين تقريباً، ولا يمكن تحديد المغزى الحقيقي من الفيلم في نهاية المطاف. من الأفضل إذاً أن نتخلى عن تحليل معظم التعليقات المبهمة حول أزمة اللاجئين ونقتنع بأن الفيلم يهدف بكل بساطة إلى تذكيرنا بقوة إرادة الأم حين ترغب في متابعة العيش وإنقاذ أولادها.