1788

الإصابات

34

الوفيات

1170

المتعافون

عيسى مخلوف

صلاح ستيتيّة في الطريق التي لا تؤدي إلى مكان

21 أيار 2020

02 : 00

منذ أكثر من عقد من الزمن، وصلاح ستيتيّة يصارع الوقت ويستعدّ للسفر. يقف قبالة البحر ويقول بصوت خفيض إنّ هواءه المالح بدأ يلفح الوجه ويملأ الرئتين. كان يتهيّأ للرحيل ولا يتوقّف لحظة واحدة عن التأليف، كما لو أنّ خيط الحياة سينقطع فجأة إذا ما انقطع خيط الكتابة.

جمع أوراقه وأشياءه التي لا تحصى. عرض لوحاته في دار "دروو" للمزادات العلنيّة، وكان متحف بول فاليري في مدينة سيت في الجنوب الفرنسي قد خصّص جناحاً خاصاً لهِبَة منه تشتمل على لوحات فنّيّة ومنحوتات ومخطوطات وكتب. وأودع مخطوطاته والطبعات الأصلية من كتبه والكتب الفنية واللوحات والمحفورات والمراسلات والصور، ثلاثةَ مواضع: "مكتبة جاك دوسيه"، والمحفوظات الأدبية لمنشورات "فاتا مورغانا" التي نشرت جزءاً مهماً من نتاجه، و"مكتبة فرنسا الوطنية" في باريس. كأنه كان يهرّب أثاث منزله، وأثر مخيّلته وأحلامه، إلى أمكنة آمنة قبل أن يأتي الطوفان. وهو مدرك أنّ ما صاغه طوال حياته ليس ملكاً له وحده. وأنّ الكاتب، في سعيه إلى ملاقاة الآخر وبحثه عن الحقيقة، لا يملك إلاّ قلقه وحيرته، تساؤلاته والمعاناة.





إلى ذلك، كتب مذكّراته التي تجاوزت الستمئــة صفحة تحت عنـوان "حفلة جنون"، وروى فيها سيرته الشخصية، ومن خلالها السيرة الأدبية والثقافية في لبنــان وفرنسا بالأخصّ، خلال النصف قرن الماضي. ثمّ أرسلَ ديوانه الأخير إلى المطبعة وبدأ يعدّ دراسة جديدة. كان، بقلمه، يحاول أن يؤخّر الموت. يرسم على الورقة البيضاء دائرة كبيرة ويشعر باطمئنان. يسقي الوردة ويطعم القطط. لكنه لا يغفل ولا لحظة واحدة عن الزائر الغريب الذي يتلطّى وراء الأبواب والستائر، بل داخل الجسد نفسه.

كان شاعراً وباحثاً شديد الإصغاء إلى التجارب الشعرية العربية والعالمية، وكان يهجس باللقاء بين الشرق والغرب، بين الثقافتين العربية والفرنسية. كتب عن لبنان وعن الحدائق الإسلامية واليابانية وعن الأعمال الفنية. ترجم النبي لجبران ونصوصاً لرابعة العدوية، وكذلك مجموعة شعرية لبدر شاكر السياب، بالاشتراك مع كاظم جهاد.

ولم يكن تركيزه على الصوفية الإسلامية والمسيحية، بالإضافة إلى صوفية الشرق الأقصى، من باب التوفيق بين الأديان، بل من أجل الذهاب أبعد من ذلك، للتأكيد على توقه الإشراقي والبحث عن الجوهر. من هنا تتكشّف الروابط الكثيرة بين المسعى الروحاني والمسعى الشعري، وإلاّ فما الجامع، في نتاج ستيتيّة، بين جلال الدين الرومي وراينر ماريا ريلكه، بين إبن عربي وهولدرلين، وماذا يفعل الحلاّج بالقرب من أرثور رامبو؟ الحلاج القائل "الألف ألف الأزل واللام لام الأبد"، ورامبو في قوله": "كنتُ أكتبُ سكونات، لياليَ. أدوّنُ ما لا يُعبَّر عنه. كنتُ أحدّق في الدُّوار". تقتضي الإشارة، هنا، إلى أنّ ستيتيّة خصّص لرامبو كتابين صدرا عن دار "فاتا مورغانا"، الأول بعنــــوان "رامبو النائـــم الثامن"، والثاني عنوانه "رامبو العدَنيّ" (نسبة إلى عدن)، كما كرّس للشاعر الفرنسي فصلاً من كتابه "التزيين" الصادر عن دار "جوزيه كورتي".





من جانب آخر، انفتح صلاح ستيتيّة على الفنون التشكيليّة، وكان صديقاً لعدد كبير من الفنانين الذين يحضر بعضهم بقوّة في المشهد الفني العالمي المعاصر، ومنهم، على سبيل المثال، زاووكي، أليشانسكي، بازين، تابياس. ومن الفنانين والخطاطين العرب: صليبا الدويهي، فريد بلكاهية، عبد الغني العاني، محمد سعيد الصكار، حسن المسعودي ونجا المهداوي... وقد التقت تجربته الأدبية بتجربتهم، وكانت محصّلة هذا اللقاء زهاء مئة وخمسين كتاباً فنياً تجمع بين الشعر والرسم. وقد أقيم في مدينة "سيت" وفي "مكتبة فرنسا الوطنية" معرضان تضمّنا عدداً كبيراً من المخطوطات واللوحات والرسوم. واكب المعرضين كاتالوغ فخم عبّر بالصور والنصوص عن صلة الشعر والفنّ في حياة ستيتية ونتاجه، كما عكس ثقافته المأخوذة بالضوء واللون، وانبهاره بالصوفيّة والجماليات الشرقية والغربية.

يحضر هذا التوجّه العام في نتاج صلاح ستيتيّة الشعري والنثري، وفي أبحاثه وقراءاته التي تزاوج بين الثقافة العربية والإسلامية والثقافة الغربية، لا سيما الثقافة الفرنسية، كما يطالعنا في مذكراته التي أتينا على ذكرها، والتي تكشف عن شخصية ستيتيّة المركّبة وعن وجوهه الكثيرة.

في السنتين الأخيرتين، كتب ستيتيّة قصائد قليلة، كان آخر ما طالعني منها قصيدة بعنوان "عبور". خطَّها بيدٍ مرتجفة وذيَّلها بتوقيعه، ولم ينسَ أن يُثبت تاريخ كتابتها: 30 نيسان 2018، وجاء فيها: "عبَرَت روحي القُضبان كلّها/ والحبُّ فيَّ يجفّ/ يموتُ مثل الطّير/ هل من حاجة بَعدُ إلى ضَبط إيقاع الرُّوح؟/ الروح التي سجنَت نفسها في قُضبانها/ مثل عطش حرّيّاتنا". كلمات الوداع هذه قالت لنا، يوم كتبها، إنّ قلب الشاعر لا يزال ينبض، لكن من وراء القضبان. وقالت أيضًا إنّه لا يزال يتنفّس من رئة القصيدة، تلك التي لاحظ بول فاليري أنّها لا تتألّف من الأحرف التي "يغرزها الشاعر غرزاً كالمسامير، بل من البياض الذي يبقى على الورقة".





في زيارتي الأخيرة له، خارج باريس، في قرية "ترامبلي سور مولدر" حيث كان يقطن في منزل قديم يرقى إلى القرن السابع عشر وكان أقام فيه، ذات يوم، الكاتب الفرنسي أونوري دورفي، كرّر على مسمعي العبارة التي تلفّظ بها مرّات عدّة: "كلّ شيء أصبح جاهزاً. ألا تريد رؤية القبر؟" وكان فخورًا بالمنحوتة التي تستوي عليه والتي أنجزها النحّات الفرنسي المعروف جان آنغيرا، وتُمثّل خطوطًا أُفقيّة محفورة في الرُّخام الأسود. رفع يده نحوها وهو يقول: "إنّها الطريق التي لا تؤدّي إلى مكان". ثمّ التفت إلى اليمين وأشار مبتسماً إلى قبر الكاتب بليز ساندرار، المجاور لقبره.

جولة المُصارَعَة مع الذات ومع الحياة انتهت. والنّحلة التي لم تهدأ يومًا تَركُن، على الرغم منها، إلى الصّمت.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.