وصل «حزب العدالة والتنمية» إلى السلطة في تركيا منذ العام 2002. ربّما تكشف الانتخابات المحلية الأخيرة أن أحداً لا يستطيع منافسته كحزب حاكم للبلد حتى الآن، لكن يبقى مستقبله غير مؤكد. يُفترض أن يرسم مؤتمره الاستثنائي بدءاً من 7 تشرين الأول المسار الذي يضمن له الفوز في الانتخابات المحلية المقبلة في العام 2024.
على المدى الطويل، يجب أن يزيد الحزب الحاكم جاذبيته للبقاء في السلطة. خسر هذا الحزب المحافِظ الدعم الذي يحظى به خلال الانتخابات البرلمانية في شهر أيار، فتراجعت نسبة تأييده إلى 35.6% بعدما كانت 42.6% في العام 2018. في هذا السياق، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يبقى زعيم «حزب العدالة والتنمية» وأُعيد انتخابه بلا مشكلة مؤخراً، إن سنة 2023 هي آخر مناسبة يطلب فيها الدعم من الأمّة، وأكد أنه ينوي «تسليم الراية المقدّسة إلى الشباب» بعد انتخابات العام 2023، ما يطرح تساؤلات كثيرة حول هوية خَلَفه.
قد يكون صهر أردوغان، سلجوق بيرقدار، أفضل مرشّح لأداء هذه المهمة. هو رئيس مجلس إدارة مجموعة «بايكار» لصناعة الطائرات، ورئيس قسم التكنولوجيا فيها، ومنتج طائرات مسيّرة شهيرة تحمل اسمه. كانت إنجازات تركيا العسكرية والتكنولوجية كفيلة بتسليط الأضواء على بيرقدار، وهو يستعمل شكلاً شعبياً من القومية التكنولوجية التي تتجاوز الانقسامات بين الأوساط العلمانية والدينية.
في 1 أيلول، ذكر بيرقدار للمرة الأولى أنه يفكر بدخول معترك السياسة، فقال في مقابلة مع وسائل إعلام تركية: «لم أكن أطمح يوماً إلى دخول عالم السياسة أو استلام منصب الرئاسة، بل أردتُ دوماً أن أكون رائداً في قطاع الطيران التركي. لكن إذا كان النضال من أجل التكنولوجيا الوطنية يفرض عليّ ذلك، فلن أتردّد طبعاً في محاولة الوصول إلى مقاليد السلطة».
كان كلام أردوغان عن عظمة الوطن وتشديده على مكانة تركيا في العالم وإنجازاتها العسكرية والصناعية يتماشى مع تطلّعات الناخبين في الانتخابات الأخيرة. حصل أردوغان على دعم ما يكفي من القوميين العلمانيين لتحقيق الفوز.
لكن لا يستطيع أردوغان أن يوفّق بين الجوانب الإيديولوجية للقومية المحافِظة والعلمانية، رغم محاولاته الحثيثة لتحقيق هذا الهدف. لقد أمضى سنوات عدة من مسيرته وهو يثير الانقسامات بين العلمانيين والمتديّنين لدرجة ألا يثق به معظم القوميين العلمانيين اليوم.
في المقابل، لا تحمل القومية التكنولوجية التي يلوّح بها بيرقدار أي جوانب دينية مفرطة، وهي تجذب ناخبين قوميين علمانيين لا يزالون متعلّقين بعظمة وطنهم بقدر القوميين المتديّنين، كما أنهم يؤيّدون استعمال النفوذ في الخارج ويفتخرون بإنجازات تركيا العسكرية والصناعية. تتماشى هذه القومية التركية مع المصالح الغربية أيضاً. بدأ بيع طائرات» بيرقدار» المسيّرة إلى دول في آسيا الوسطى يكبح نفوذ روسيا في تلك المنطقة، وقد أُبرِم في الوقت نفسه اتفاق بين تركيا وكازاخستان في العام 2022 للمشاركة في إنتاج طائرات مسيّرة في كازاخستان.
قال بيرقدار إنه انتقد السياسة الخارجية الأميركية بقوة في شبابه وكان مهووساً بالمفكّر نعوم تشومسكي، لكنه لم يطرح رؤيته عن التمسّك بالعظمة الوطنية عبر استعمال لغة معادية للغرب كتلك التي يستخدمها عدد كبير من القوميين الأتراك في أوساط المعارضة والنظام.
كان وزير الداخلية التركي السابق سليمان صويلو يدعم نوعاً من القومية القائمة على الشعور بالظلم وانعدام الأمان. في المقابل، ترتكز القومية التكنولوجية التي يتبناها بيرقدار على الثقة بالنفس. ينتج انعدام الأمان الذي تشعر به تركيا شكلاً قوياً من العداء تجاه الولايات المتحدة، لكنّ الثقة بقدرات تركيا العسكرية والصناعية تنشر موقفاً أكثر هدوءاً من القوة الأميركية. يمكن اعتبار قصة بيرقدار إثباتاً على التوافق بين طريقة استعمال القوة العسكرية التركية والمصالح الغربية والأميركية.
استعملت القوات الأوكرانية المسلّحة الطائرات المسيّرة «بيرقدار تي بي 2» بفعالية كبرى ضد القوات الروسية، وتحوّلت هذه الطائرات سابقاً إلى رمز للمقاومة الأوكرانية. كذلك، تبرّعت شركة «بايكار» في مناسبات عدة بطائرات مسيّرة لصالح الجيش الأوكراني. كان بيرقدار قد تكلم على وجود «واجب أخلاقي لمساعدة أوكرانيا»، وقد منحه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وسام استحقاق من الدولة في العام 2022، علماً أن شقيق سلجوق الأكبر والمدير التنفيذي للشركة، هالوك بيرقدار، كان قد نال الوسام نفسه في العام 2020. هو قال إنه فخور باستعمال التكنولوجيا التي تُطورها شركتهم لدعم نضال أوكرانيا في سبيل استقلالها، وأعلن أن أوكرانيا «تحارب من أجل العالم الحرّ».
يرمز بيرقدار إذاً إلى عودة الفكر السياسي الذي استفاد منه اليمين التركي كثيراً خلال الحرب الباردة: إنه خليط من التجارة الحرّة، والقومية، والالتزام بالدفاع عن العالم الحرّ. كان عدنان منديريس خلال الخمسينات، وسليمان ديميريل في الستينات والسبعينات، ثم تورغوت أزال في الثمانينات، قادة محافظين وموالين للغرب، وقد حملوا رؤية واضحة عن التنمية الوطنية واستمالوا الناخبين العلمانيين والمتدينين في آن.
لكن تكشف السجلات التاريخية أيضاً وجود نقص في معسكر المحافظين الأتراك خلال الحرب الباردة، فقد تجاهل هذا الفريق الظلم الاجتماعي والاقتصادي وردّ على مطالب الطبقة العاملة بالقمع. نتيجةً لذلك، نشأ صراع طبقي عنيف كان كفيلاً بزعزعة استقرار تركيا خلال السبعينات. كذلك، توسّعت مظاهر اللامساواة الاقتصادية خلال عهد «حزب العدالة والتنمية» القائم منذ عقدَين. استفادت الشركات طبعاً من السياسات الحكومية، على عكس معظم فئات الطبقة العاملة.
لا داعي كي يقلق أردوغان من منافسة المعارضة، بغض النظر عن الخَلَف الذي يختاره. بدأت المعارضة التركية تتخبّط بعد هزيمتها في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهي لا تطرح أي بديل إيديولوجي. من المستبعد أن تتمكن من إعادة تجميع نفسها وتتحوّل إلى جبهة موحّدة بحلول الانتخابات المحلية المقبلة في آذار 2024.
أعلنت ميرال أكسينر، زعيمة «حزب الخير» القومي، ثاني أكبر حزب في تحالف المعارضة الهشّ، أن حزبها لن يدعم إعادة انتخاب رئيسَي البلدية المعارضَين في اسطنبول وأنقرة، علماً أنهما ينتميان إلى «حزب الشعب الجمهوري» المعارِض. من وجهة نظرها، أثبتت الأزمة الانتخابية أن التعاون مع هذا الحزب مستحيل. مع ذلك، تشير استطلاعات الرأي إلى فوز عمدة اسطنبول أكرم إمام أوغلو الذي يطمح إلى الترشح للرئاسة.
إذا قرّر سلجوق بيرقدار الترشّح فعلاً، تكشف بعض الاستطلاعات أنه الأوفر حظاً من بين المرشحين المحتملين عن «حزب العدالة والتنمية»، لكنه لم يعلن بعد أنه مهتم بإطلاق مسيرة سياسية على مستوى البلديات. ذكر بيرقدار في المقابل أن السبب الذي يدفعه إلى دخول معترك السياسة يتعلق بـ»النضال لتحقيق مشروع التكنولوجيا الوطنية»، وهو «مبدأ» سيناضل من أجله «حتى النهاية». يثبت هذا الموقف أنه يتطلع إلى منصب وطني.
على صعيد آخر، يجب أن يخدم وريث أردوغان شكلاً من القومية الاجتماعية، فيجمع بين القومية التكنولوجية وتطمينات تضمن تقاسم منافعها المادية مع عامة الناس.
لا يحتاج بيرقدار إلى بدء مسيرته من الصفر والارتقاء تدريجياً نحو أعلى المناصب، كما فعل أردوغان، نظراً إلى مكانته القوية وسط الرأي العام. من الواضح أن الإنجازات التي حقّقها حتى الآن هي التي تجعله مرشحاً لأعلى منصب في البلد. حتى لو أصبح زعيم «حزب العدالة والتنمية» خلال عهد أردوغان الرئاسي، تجازف السياسات البلدية بإضعاف مكانته منذ مرحلة مبكرة. لكن لن تكون القومية التكنولوجية وحدها كافية لتحفيز معظم الناخبين الأتراك في نهاية المطاف.
أثبتت الانتخابات البرلمانية في وقتٍ سابق من هذه السنة أن الطبقة الوسطى الفقيرة ومظاهر اللامساواة المتزايدة تشكّل بيئة خصبة للاعتراض على النظام الاقتصادي. يؤيد الفريق اليساري الأساسي في تركيا، «حزب الشعب الجمهوري»، الاقتصاد النيوليبرالي أيضاً، لذا عجز عن كسب أصوات الطبقة العاملة. في المقابل، نجح «حزب الرفاه الجديد» الإسلامي في استمالة الناخبين من الطبقة الوسطى حين انتقد ظلم الرأسمالية ودعا إلى إقامة «نظام إسلامي عادل»، علماً أن هذا الشعار ارتبط خلال الثمانينات والتسعينات بـ»حزب الرفاه» الذي كان أردوغان ينتمي إليه ثم عاد ومهّد لنشوء «حزب العدالة والتنمية». حقق الإسلاميون غير الإصلاحيين أفضل النتائج منذ سنوات، فحصدوا أصوات مليون ونصف ناخب. إنه مؤشر تحذيري للنخبة التركية الحاكمة، إذ يُفترض أن يدرك المسؤولون أنهم لن يتحمّلوا كلفة تجاهل اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية.
في أوساط النخبة التركية، يبدو أن سلجوق بيرقدار وحده يجسّد الطموحات الوطنية التي توحّد الناخبين المتدينين والعلمانيين وتثير حماستهم. لكن لتحقيق الفوز على المستوى الوطني، يُفترض أن يطرح رؤية شاملة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية.
في ظل انزلاق الطبقات العاملة نحو الفقر، لن يكون التطرّق إلى عظمة الوطن كافياً. بل يُفترض أن يلجأ وريث أردوغان إلى شكل من القومية الاجتماعية، فيجمع بين قوميته التكنولوجية ويضمن في الوقت نفسه أن يستفيد الناس من منافعها المادية.
يُفترض أن يحقّق بيرقدار هذا الهدف طبيعياً، فهو يأتي من عائلة تعود جذورها إلى الطبقات الشعبية. ينحدر والده من الطبقة العاملة في اسطنبول، فقد كان ابن صياد عاد وأسّس في العام 1985 شركة لقطع غيار السيارات بقيت صغيرة لسنوات عدة. تثبت النشاطات الاجتماعية التي قامت بها عائلة بيرقدار، بما في ذلك أعمال لصالح جمعيات خيرية تعليمية وطبية، وجود شكل من التضامن مع الفئات الأكثر حرماناً في المجتمع. إذا تحوّل هذا الجانب إلى برنامج سياسي واضح، فسيزيد احتمال أن يصبح سلجوق بيرقدار زعيم تركيا المقبل.