يروي الصحافي الفرنسي إريك رولو أن القيادي الفلسطيني البارز صلاح خلف (أبو إياد) قال، في 1969، إن «المقاومة الفلسطينية تشكل خطراً على مجموع الأنظمة العربية أكثر بكثير من خطرها على إسرائيل».
وينقل رولو «الصورة الرمزية التالية» التي لجأ إليها أبو إياد للتوضيح: «أراد رجلٌ أن يُسقط برتقالة رائعة وشهيّة فعمد إلى هزّ شجرة البرتقال بعنف ولكن بينما بقيت الثمرة المشتهاة عالقة بقوة بالشجرة، راحت سائر البرتقالات، ومجموعها ثلاث عشرة برتقالة، تسقط الواحدة تلو الأخرى». وأضاف أبو إياد أن «البرتقالات الفاسدة تمثل الأعضاء الثلاثة عشر للجامعة العربية (في ذلك الوقت). أما البرتقالة التي لم تنضج بعد حتى يتم قطافها فترمز إلى الدولة الصهيونية» (من مقدمة كتاب «صلاح خلف (أبو إياد): فلسطيني بلا هويّة» (الأهلية للنشر والتوزيع).
تحضر هذه المقولة بعد أكثر من خمسين سنة على الإدلاء بها، مقترنة بذاكرة ثقيلة لاهتزاز شجرة الأنظمة والبلدان العربية.
لكن الأهم، كما يبدو، أن «المقاومة الفلسطينية» هزّت شجرةَ كل إنسان عربي أيضاً. فخلال 75 سنة، شكّلت هذه القضية محور العديد من الأحداث المصيرية والتاريخية. ولم تكن هذه القضية سؤالاً سياسياً فحسب، كانت دائماً شبه بديهة قيمية ووجدانية. ولعل هذا هو الفاعل الأول في هزِّ شجرة كل إنسان عربي. ففيما يعيش الإنسان العربي في ظروف غير مستقرة، وواقع متغير، وتحت وابل من الدوافع والخطابات السياسية التي تدعوه إلى التخفف من القضايا (لا سيما خارج حدود بلده وطاقاته)، استمرت القضية الفلسطينية، ومأساة شعبها، لزمن طويل. وما إن ينشغل الإنسان العربي عن القضية، سواء أكان معتقداً أنها في «طريق الحل السلمي» أم مركّزاً على مواجهة الأنظمة بالعنف أو بأساليب ديمقراطية مؤجلاً حل القضية إلى ما بعد تغيير الواقع العربي، حتى تمثل مأساة الشعب وقسوة العدو وتعنّته. وهذا أمر ثقيل ومصدر تناقض كثيف. فمن جهة، الإنسان العربي مع الشعب الفلسطيني وحريته على أرضه وفي دولته المستقلة، ومن جهة أخرى يجد نفسه عاجزاً مقيّداً وإزاء مشهد عربي «منقسم» «متخاذل» يراوح بين تأجيل الرد إلى «الزمان والمكان المناسبين» وبين «التطبيع» الذي يغض النظر عن مأساة الشعب ويترك العدو يسرح ويمرح في السجن المفتوح وعلى الجثث وفي الأماكن المقدّسة.
ولا تتوقف التناقضات التي تهز شجرة الإنسان العربي عند هذا. ففي ظل الظروف القاسية التي يعيشها الإنسان العربي، تحضر في الذاكرة، لدى فئات واسعة لا سيما في الدول المحيطة بفلسطين، «أخطاء المقاومة الفلسطينية»، وانعكاسات ذلك على أشجار الأنظمة والإنسان. ويُضاف إلى ذلك الانقسام الفلسطيني بين سلطة تراهن على «السلام المفقود والمسدود» و»التنسيق الأمني مع العدو»، وبين فصائل إسلامية جهادية وكفاحية مسلّحة.
وفوق هذا، يأتي الانقسام الإقليمي والعقائدي والحزبي في شأن الصراع مع إسرائيل عموماً والقضية الفلسطينية خصوصاً. فالذين يحملون اليوم الراية الفلسطينية هم قوى إسلامية بقيادة إيرانية (يُستثنى من ذلك التنظيمات المتطرفة العنفية التي لا تضع فلسطين أولوية). وفي المقابل، هناك توجه عربي رسمي لعقد اتفاقيات مع إسرائيل تطبّع العلاقات قبل حل القضية الفلسطينية، أو كما يقول أصحاب هذا التوجه: لتوفير بيئة سلمية تسهم في تحسين أوضاع الفلسطينيين أو حل الدولتين. وفيما يتجاوز المحور الإسلامي - الإيراني حدودَ الدول ويفتحها، الأمر الذي تعارضه فئات واسعة، تتوافر أجواءٌ لإهداء القضية الفلسطينية أو التضامن مع الشعب الفلسطيني وحقوقه إلى ذاك المحور الجاهز لاحتكار ذلك.
إزاء هذا، تهتز شجرة الإنسان العربي الواقع بين خيارين سياسيين، وفي الوقت نفسه لا يختصران أطياف التنوع أو الضمائر والوجدانات. فكما لا يُختزل التيار المؤيّد للقضية والشعب والحقوق بالمحور الإسلامي- الإيراني، لا ينسحب التطبيع الرسمي على الناس جميعاً، بمن في ذلك كثيرون ممن يقبلون بالسلام مع إسرائيل مقابل حصول الشعب الفلسطيني على حريته ودولته المستقلة. ثمة فارق بين السياسة وبين العقل والضمير. هذا واقع الحال، وهو ما يحتاج إليه العقل والضمير كي يكونا حرّين من تأثير السياسة المخادعة والذاكرة الانتقائية.