قد تحتوي رئة المدخّن على مستقبلات إضافية يستعملها فيروس كورونا الجديد لغزو الخلايا. لهذا السبب على الأرجح، يكون حاملو الفيروس أكثر عرضة للأمراض الحادة إذا كانوا يدخنون!
يواجه معظم المصابين بالمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة 2 التي تسبب فيروس "كوفيد - 19" أعراضاً خفيفة أو معتدلة، ويتعافون بالكامل من دون الحاجة إلى تلقي علاج في المستشفى. لكن تذكر دراسات عدة أن المدخنين يكونون أكثر عرضة من غيرهم لنوع حاد من المرض.
للدخول إلى الخلايا والتكاثر هناك، يلتصق الفيروس بمُستقبِل بروتيني اسمه الأنزيم المُحوّل للأنجيوتنسين 2، وهو موجود في أغشية الخلايا. أراد باحثون في مختبر "كولد سبرينغ هاربور" في نيويورك معرفة عدد المستقبلات في رئة المدخنين لأنهم قد يصبحون أكثر عرضة للعدوى إذا ارتفع عددها. يقول المشرف الرئيس على الدراسة، جايسون شيلتزر: "بدأنا نجمع البيانات التي نستطيع إيجادها. وحين جمعناها وبدأنا نحللها، لاحظنا زيادة بارزة في الاستجابة تجاه الأنزيم المُحوّل للأنجيوتنسين 2 لدى الفئران التي تعرّضت للدخان في المختبر ولدى البشر المدخنين".
جرعة الدخان مؤثرة
في البداية، راجع الباحثون بيانات دراسة وراثية عرّضت الفئران لدخان سجائر مُخفف طوال ساعتين أو 3 أو 4 ساعات يومياً على مر خمسة أشهر. فاكتشفوا أن مستقبلات الأنزيم المُحوّل للأنجيوتنسين 2 تظهر في الرئتين كلما زاد التعرض لدخان السجائر.
ثم أراد العلماء أن يعرفوا ما إذا كان هذا الرابط بين التدخين والأنزيم ينطبق على البشر. فحللوا قاعدتَين من البيانات الوراثية: واحدة مبنية على عينات من أنسجة الرئة لدى مدخنين خضعوا لجراحة في الصدر، والثانية مبنية على أنسجة رئوية من مشاركين في "برنامج أطلس جينوم للسرطان" في "المعهد الوطني للسرطان". يذكر الباحثون أن العينات الرئوية لدى أكبر المدخنين شملت أعلى مستويات الأنزيم المُحوّل للأنجيوتنسين 2. ورغم مراعاة عوامل مثل العمر والجنس والانتماء العرقي ومؤشر كتلة الجسم، برز رابط قوي بين التدخين والأنزيم. كذلك، تبيّن أن الإقلاع عن التدخين يعكس زيادة في معدلات الأنزيم المُحوّل للأنجيوتنسين 2. في المجموعة التي لم تدخّن طوال سنة، ارتبط الإقلاع عن التدخين بتراجع كمية الأنزيم بنسبة 40% تقريباً، مقارنةً بالمدخنين.
الخلايا الكأسية
نجح شيلتزر وزملاؤه في رصد عدد إضافي من مستقبلات الأنزيم المُحوّل للأنجيوتنسين 2 لدى المدخنين في الخلايا الكأسية. إنها الخلايا الرئوية التي تفرز المخاط. يزيد التدخين عدد الخلايا الكأسية، ما يسمح بحماية المسالك الهوائية من مسببات الحساسية في الدخان.
نتيجةً لذلك، قد يصبح المدخنون أكثر عرضة لحالات حادة من المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة 2. يعني ارتفاع عدد الخلايا الكأسية أنها مزودة بعدد إضافي من مستقبلات الأنزيم المُحوّل للأنجيوتنسين 2، فيستعملها الفيروس لغزو الخلايا. لكن يسود جدل حول خصائص التدخين الواقية أو الضارة في ظل انتشار فيروس "كوفيد - 19". تذكر دراسة في مجلة "ذا لانسيت" للأمراض المُعدية مثلاً أن المدخنين والمصابين بالإنفلونزا أو بالتهاب تنفسي يكونون أقل عرضة من غير المدخنين للإصابة بالمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة 2.
لكن يفسّر المشرفون على الدراسة الأخيرة هذا الاستنتاج على اعتبار أن المدخنين يكونون أكثر ميلاً من غيرهم إلى السعال، وبالتالي يرتفع عدد من يقررون الخضوع للاختبار، ما يُخفّض احتمال أن تكون نتائج فحوصاتهم إيجابية.
وفي دراسة ثانية لم تخضع لتقييم علماء آخرين بعد، يزعم الباحثون أن عدد المدخنين يتراجع بين المرضى القابعين في المستشفى بسبب إصابتهم بالعدوى في الصين. بناءً على هذا الاستنتاج، يفترض الباحثون أن مادة النيكوتين في السجائر تحمي المدخنين.
لكن حين راجع شيلتزر تلك الدراسة، شكك بصحة أرقام المدخنين التي اتكل عليها العلماء لاستخلاص استنتاجاتهم عن الصين.
صرّح شيلتزر لمجلة "ميديكل نيوز توداي": "أثار الادعاء القائل إن التدخين يحمي الناس من فيروس "كوفيد - 19" ضجة واسعة في وسائل الإعلام لأنه يخالف جميع التوصيات الصحية، لكنه خاطئ على الأرجح. تثبت بيانات هائلة، منها تحليلات تجميعية عالية الجودة، أن المدخنين يميلون إلى التعرض لحالات حادة من "كوفيد - 19" أكثر من غير المدخنين".
في النهاية، يعترف شيلتزر وزملاؤه بأن دراستهم تبقى محدودة على بعض المستويات. فقد ارتكزت مثلاً على بيانات مرتبطة بالتعبير عن الجينة التي تُصنّع الأنزيم المُحوّل للأنجيوتنسين 2 بدل إجراء قياسات مباشرة لكمية المستقبلات داخل الأغشية الخلوية.