ماسك إشترى الشركة بـ44 مليار دولار لكنها تدهورت الآن إلى 19 ملياراً فقط

قيمة «إكس» تنخفض لأقلّ من نصف سعر صفقة «تويتر»

01 : 58

تبلغ قيمة منصة التواصل الاجتماعي «إكس» (X)، التي اشتهرت سابقاً باسم «تويتر»، أقل من نصف المبلغ الذي دفعه إيلون ماسك مقابلها قبل عام. تقدّر قيمة الشركة الآن بنحو 19 مليار دولار وفقاً لوحدات الأسهم المقيدة الممنوحة للموظفين، أو ما يعادل 45 دولاراً للسهم، وفقاً لشخص على دراية بالأمر. بينما اشترى ماسك شركة «تويتر» قبل عام واحد فقط مقابل 44 مليار دولار.



منذ إتمام عملية الاستحواذ، سرّحت «تويتر» معظم الموظفين أو قبلت استقالاتهم. كما غيّر «ماسك» اسم الشركة إلى «X»، وغيّر بعض قواعد المحتوى الخاصة بها، وخسر أكثر من نصف إيرادات إعلاناته. وكانت مجلة «فورتشن» أول من نشرت خبر انخفاض تقييم الشركة في وقت سابق نقلاً عن مذكرة داخلية.



ماذا فعل ماسك لموقع «إكس»؟



عانت الشركة مالياً تحت وطأة ملكية ماسك لها. ففي وقت الاستحواذ، بلغت قيمة «تويتر» نحو 44 مليار دولار، وأُبرمت الصفقة باستخدام مزيج من الديون والأسهم. لكن عملية شراء «ماسك» حمّلت الشركة ديوناً إضافية بقيمة 13 مليار دولار، ومع مرور الوقت، أدّى اتخاذه قرارات عشوائية وتطبيق الموقع قواعد متساهلة لسلامة المحتوى إلى إبعاد المعلنين، ما ساهم في انخفاض المبيعات بنسبة 60%. وتدين شركة «إكس» أيضاً بحوالي 1.2 مليار دولار من مدفوعات الفائدة سنوياً على ديونها، وفقاً للتقديرات التي نشرتها «بلومبرغ» في وقت سابق.



خطة لانتشال «المنصة»


كشف ماسك عن رغبته في تحويل «إكس» إلى «تطبيق شامل»، بحيث يتمكّن من تحقيق إيرادات من ميزات مثل التسوّق والمدفوعات المالية. وأطلقت الشركة خدمة المكالمات الصوتية والمرئية في وقت سابق من هذا الشهر، ولديها نسخة تجريبية من خدمة الإعلان عن الوظائف، وتعتزم إطلاق وكالة إخبارية. وأخبر ماسك الموظفين أن «إكس» تخطط للتنافس مع موقع «يوتيوب» التابع لشركة «غوغل»، وموقع «لينكد إن» التابع لشركة «مايكروسوفت»، وموقع «بي أر نيوز واير» التابع لشركة «سيشن» (Cision).



كما طرحت ليندا ياكارينو، الرئيسة التنفيذية لشركة «إكس» مجموعة من الأفكار حول المنتجات والخدمات الجديدة التي تنوي «إكس» إطلاقها، بما في ذلك إطلاق إعلانات متعدّدة المستويات، وذلك على هامش اجتماعها مع ممثلي البنوك هذا الشهر لتحديد ملامح الخطة المالية للشركة. وألمح ماسك سابقاً إلى رغبته في طرح «إكس» للاكتتاب العام، لكن الانخفاض الحاد في قيمة الشركة قد يعرقل هذه الخطوة.



مرّ عام على الصفقة


لقد مرّ عام على استحواذ إيلون ماسك على «تويتر» في خطوة قال إنها «مهمة لمستقبل الحضارة»، لكن كل ما فعله كان تقليص حجم وسيلة التواصل الاجتماعي هذه على كافة الصعد. لقد انخفض عدد المشتركين الذين يستخدمون الموقع يومياً بنسبة 13% في أيلول مقارنة مع تشرين الأول 2022، بحسب بيانات من شركة «أبتوبيا» (Apptopia)، كما تقلّص عدد الموظفين إلى 1500 بعدما كانوا 7500 حين استحوذ ماسك على الشركة.


في غضون ذلك، فقدت المنصة، التي كانت يوماً مركز لقاءٍ للإعلاميين والناشطين السياسيين ومدمني الأخبار، كثيراً من أهميّتها كمصدر تُنشر عبره المعلومات آنياً وكمنصة للنقاش.



لم يقتنع بالدفع إلا 1% من المستخدمين


ركّزت خطة ماسك للشركة التي أصبح اسمها اليوم «إكس» على التخفيف من الاعتماد على الإعلانات والتوجّه نحو الاشتراكات المدفوعة. وقدّرت دراسة أجراها الباحث المستقل ترافيس براون عدد المستخدمين الذين يدفعون اشتراكاً شهرياً قدره 8 دولارات، بين 950 ألفاً و1.2 مليون. يعني ذلك أن «إكس» لم تقنع إلا أقل من 1% من المستخدمين بالاشتراك، بالتالي فإن أرباحها من خدمة الاشتراك أقل من 120 مليون دولار سنوياً، قبل احتساب رسوم متاجر التطبيقات من «أبل» و»غوغل».



تراجع الإعلانات


ما هذا المبلغ إلا نقطة في بحر الإيرادات الناجمة عن الإعلانات التي كانت «تويتر» تعوّل عليها في حقبة ما قبل ماسك، وقد بلغت نحو 4.5 مليارات دولار في السنة الأخيرة الكاملة التي كانت الشركة خلالها مدرجةً في البورصة. في غضون ذلك، انخفض إنفاق كبار المعلنين مثل «مونديليز إنترناشونال» (Mondelez International) و»كوكا كولا» و»إي بي إم» و»إتش بي أو» (HBO) مقارنة مع حقبة ما قبل ماسك، ويُعزى ذلك بجزء كبير منه إلى السياسات التي طبّقها وجعلت الموقع فوضوياً ولا يمكن التنبّؤ بجديده.



ينفق المعلنون الكبار الخمسة في «إكس» اليوم أموالاً أقلّ بنسبة 67% على الإعلانات بالمقارنة مع فترة ما قبل استحواذ ماسك على الشركة، بحسب البيانات الصادرة عن شركة معلومات السوق «سينسور تاور» (Sensor Tower)، فيما صرّحت بعض كبرى الشركات الإعلانية أنها لا تعتزم إنفاق أي أموال على «إكس».



امتنع المتحدث باسم «إكس» عن الإجابة على قائمة الأسئلة التي أرسلت إليه لإعداد هذا التقرير. إلا أن ماسك صرّح في ما مضى بأنه حسّن ما قال إنه كان قرارات عشوائية للشركة في ما يخص إدارة المحتوى، وأضاف مجموعة من الخصائص الجديدة ومنها منح إيرادات لمستخدمي «إكس» الذين يسهمون في حركة تصفح كبيرة، إلى جانب إبراز عدد مشاهدات التغريدات وإمكانية إرسال رسائل مباشرة كمقاطع صوتية. وقال ماسك إن الشركة التي لم تكن تدرّ الربح تاريخياً قد تحقق تدفّقاً نقدياً إيجابياً بحلول العام المقبل.



يصعب تحديد الخسائر لكن مدفوعات الفوائد كبيرة


بما أن «إكس» لم تعد مدرجةً في البورصة، يصعب تحديد حجم الخسائر التي تكبّدتها بسبب قيادة ماسك. في آذار، قالت شركة «فيدلتي»، التي احتفظت بأسهم في «تويتر» بعدما استحوذ ماسك عليها مقابل 44 مليار دولار، إنها تقدّر قيمة حصّتها بثلث ما كانت عليه حين أُبرمت الصفقة. كان ماسك قد دعا قبيل شرائه الشركة إلى عدم الحكم على أدائه استناداً إلى الجانب المالي فحسب، وقال في مؤتمر «تيد» في نيسان 2022: «لا يهمّني الجانب الاقتصادي البتة».



لكن نظراً لتحميله «تويتر» ديناً بنحو 13 مليار دولار يجعلها تدفع فوائد سنوية بأكثر من 1.2 مليار دولار بحسب تقديرات «بلومبرغ»، فلا بدّ من السؤال عمّا إذا كانت الشركة قادرةً على الاستمرار مادياً فيما يعمل على تحقيق أهدافه الأخرى.






إنتشار المحتوى المضلّل



حين اشترى ماسك «تويتر» قال إنه سيجعلها منصة لحرية التعبير، ولكن ترجمة ذلك على أرض الواقع أتت على شكل تخفيف سياساتها الرامية لكبح نشر المعلومات المضلّلة، وكانت النتيجة الفعلية مكافأةً للمتصيّدين عبر الإنترنت والمتطرّفين.



في الوقت نفسه، عاقب ماسك الأطراف الذين يعتبرهم أعداء عقائديين، فجرّد مثلاً صحيفة «نيويورك تايمز» من العلامة الذهبية التي تؤكّد هويّتها، في تشرين الأول، وعرّف شبكة «إن بي آر» على أنها وسيلة إعلام تابعة للدولة، وشبّهها بوسائل الدعاية الناطقة باسم حكومتي روسيا والصين.



بسبب مثل هذه الخطوات، أصبح يصعب على المستخدمين الاعتماد على العلامات التي لطالما عوّلوا عليها من أجل التحقّق من صحة المعلومات المنشورة. كما خفّفت «إكس» القيود على إدارة المحتوى، فاتحة الباب أمام مئات المنشورات التي تتضمّن صوراً مضللة، مثل رسائل مزيّفة من الرئيس جو بايدن أو مقطع من لعبة فيديو عُرض على أنه مشهد من الحرب بين إسرائيل وحركة حماس.



كانت فوضى المنشورات على المنصة جزءاً من خطة ماسك، فالرجل الذي لطالما انتقد سياسات وسائل التواصل الاجتماعي بحذف المحتوى، تبنّى سياسة تستند إلى تعزيز حرية التعبير وليس سعة الانتشار، ما يعني أن الشركة تترك المحتوى المضلّل أو المسيء ولكنها تحدّ من عدد الأشخاص الذين يطّلعون عليه من خلال تعديل محرك التوصيات. لقد شهدت منصة «إكس» تحت هذه السياسة الجديدة ارتفاعاً كبيراً في عدد المنشورات العنيفة والمضلّلة، وفقاً لعدد من الباحثين.



حتى أن ماسك نفسه استخدم موقع «إكس» من أجل نشر دعابات متحيّزة جنسياً عن النساء اللواتي وصفهنّ بـ»الخطيرات والعنيفات»، وقارن المستثمر والمتبرع السخي جورج سوروس بالشرير «ماغنيتو»، وأسهم في نشر نظريات مؤامرة بعد أحداث عنيفة مثل الهجوم على زوج النائبة نانسي بيلوسي وإطلاق النار في مدرسة في ناشفيل.



عمل شاق في الإنتظار



عقّدت سياسات ماسك وسلوكه الشخصي علاقة «إكس» بالمعلنين الذين يحرصون على عدم نشر إعلاناتهم بجوار منشورات تؤيّد النازية مثلاً. في الأشهر الأولى من عهد ماسك، تخلّت علامات تجارية كبرى عديدة عن الموقع، مثل «ميرك أند كو» و»هيلتون» و»إيه تي أند تي» (AT&T). كما تضرّرت شراكات مهمة لها مع شركات مثل «إيلي ليلي» و»بيبسي» لدى ظهور حسابات مزيفة على الموقع تدّعي أنها تمثلها.



في أيار، عيّنت «إكس» ليندا ياكارينو، المديرة التنفيذية السابقة في شركة «إن بي سي يونيفرسال» رئيسةً تنفيذيةً لها، ويهدف تعيينها جزئياً لتحسين العلاقات مع المعلنين. إلا أن ماسك أعلن في تغريدة أنه بحلول أيلول، كانت مبيعات الإعلانات لا تزال منخفضة بأكثر من النصف.



كان يُفترض أن تساعد الاشتراكات المدفوعة التي طرحها ماسك في كانون الأول على جني إيرادات لا إعلانية، فيما تحدّ من الإزعاج الإلكتروني والتصيّد عبر الإنترنت من خلال فرض بدل مالي مقابل استخدام المنصة من قبل ناشري مثل هذا المحتوى. لكن ثبت العكس، لأن المستخدمين السيئين كانوا مستعدين للدفع مقابل الحصول على علامات التوثيق التي منحت حساباتهم المزيفة طابعاً شرعياً وضمنت حصولهم على معاملة خاصة من خوارزميات «تويتر» لنشر محتواهم. فيما أن المستخدمين العاديين لم يجدوا أسباباً مقنعة ليدفعوا المال، ما قوّض احتمال أن تمكّن الاشتراكات «إكس» من التخلي عن الإعلانات.



أمام ماسك عمل شاق بعد عام انخفضت فيه قيمة الشركة بمليارات الدولارات. وقد تحدث عن إمكانية تحويل «إكس» إلى «تطبيق لكل شيء» يمكنه أن يجني الأموال من منتجات منها التسوق أو خدمات الدفع، ولكن لم تنطلق أي من هذه الخدمات بعد. وهو كان قد ألمح في السابق إلى أنه يرغب في إدراج « إكس» في البورصة في مرحلة ما، ولكن ليفعل ذلك عليه أن يجعل قيمة الشركة تفوق 44 مليار دولار، وهو المبلغ الذي دفعه كي يستحوذ عليها. وإذا ما رغب في أن يخرج شركته من الحفرة التي علقت فيها، فعليه أن يقنع المعلنين والمستخدمين أنها لا تزال تقدّم شيئاً يستحق أن يدفعوا المال من أجله.


(بلومبيرغ واقتصاد الشرق).