خبراء يحذرون من تغليب المصالح الوطنية على قضية المناخ في كوب28 (زاوية)

7 دقائق للقراءة

تسعى دول الخليج الغنية بالنفط إلى الموازنة بين مشاريعها الطموحة من أجل المناخ، وحماية مصالحها المتعلقة بالوقود الأحفوري، ما قد ينعكس على النتائج التي ستخرج عن قمة "كوب28" في دبي الشهر المقبل، بحسب تحذيرات خبراء.

ويقام مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (كوب28) هذا العام برئاسة الإمارات العربية المتحدة، وهي من أبرز الدول المنتجة للنفط في العالم. وأثار اختيارها لاستضافة الحدث المناخي في تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر، انتقادات مجموعات مدافعة عن البيئة حذّرت من أنّ قيادة دولة نفطية للنقاشات يمكن أن تبطئ التقدم في مكافحة الاحترار المناخي.

ويقول مدير الحملات الدولية في شبكة العمل المناخي أحمد الدروبي لوكالة فرانس برس "تضارب المصالح يشكّل أحد العيوب المتأصلة في نظام +كوب+"، مشيرا إلى مدى التأثير الحتمي للمصالح الوطنية، وخصوصا للبلدان المضيفة، على نتائج المؤتمرات.

فقد اختارت دولة الإمارات لرئاسة القمة هذا العام وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة الإماراتي سلطان الجابر، وهو أيضا رئيس شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك".

والعام الماضي أيضاً، شهدت القمة المناخية (كوب27) في مدينة شرم الشيخ المصرية حضوراً لممثلين عن شركات الطاقة في العالم فاق عدد المندوبين في أكثرية الوفود التي شاركت في القمة.

وتضمّن النص النهائي لـ"كوب27" بنداً تمّ التوصل إليه في اللحظات الأخيرة يدعو لتعزيز "مصادر الطاقة المنخفضة الانبعاثات".

ويشمل هذا المصطلح قطاع الغاز الطبيعي الذي استثمرت فيه مصر مليارات الدولارات في السنوات الأخيرة، رغم أنها ليست من البلدان العملاقة في مجال الوقود الأحفوري.

ويتوقع ناشطون أن تكون معركة المناخ أكثر صعوبة في دبي. وتقول أستاذة الجغرافيا والبيئة في جامعة سيراكيوز الأميركية فرحانة سلطانة لوكالة فرانس برس إن شركات الوقود الأحفوري لن تعمل "فقط من أجل تأخير العمل المناخي الهادف أو رفضه أو تحويله، ولكن أيضاً من أجل الغسل الأخضر لأنشطتها المسببة للتلوث".

وفيما الوقت يضغط، تبدو المخاطر أعلى من أي وقت مضى في مؤتمر كوب28.

ولحصر الاحترار المناخي العالمي بدرجة مئوية ونصف الدرجة مقارنة بمعدلات الحرارة في مرحلة ما قبل الثورة الصناعية، ينبغي خفض الانبعاثات العالمية بنسبة 43% بحلول العام 2030 مقارنة بمستويات سنة 2019، بحسب الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.

ويقول الباحث في مركز تشاتام هاوس للدراسات كريم الجندي لوكالة فرانس برس "في الوقت الحالي، لا نرى أي خفض للانبعاثات. ومع مرور كل عام، يصبح الوضع أكثر إلحاحاً".

- "لا مفر منه" -

ليس الجابر الشخصية المخضرمة الوحيدة في عالم النفط التي اتخذت موقعها في الصفوف الأمامية لمعركة المناخ، إذ اختير وزير الخارجية الهولندي السابق فوبكه هوكسترا لرئاسة وفد الاتحاد الأوروبي في "كوب28"، ما أثار جدلاً يرتبط خصوصاً بعمله سابقاً في شركة "شل" النفطية العملاقة.

لكن الدروبي يرى أن الجابر، ورغم "تضارب المصالح" المرتبط برئاسته مجموعة "أدنوك" النفطية، قد أدلى بتصريح "قد يكون الأكثر تقدماً من جانب رئيس للـ+كوب+، وهو أن التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري أمر لا مفر منه".

في المقابل، يرى الجندي أن عبارة "لا مفر منه" استُخدمت بطريقة "محسوبة للغاية".

ودعت كبرى الدول المنتجة للنفط، من بينها الإمارات والسعودية والولايات المتحدة، إلى مواصلة الاستثمار في الوقود الأحفوري لضمان أمن الطاقة، قبل الخوض في أي مسار انتقالي على هذا الصعيد.

ودعا الجابر في وقت سابق هذا الشهر، إلى التخلي عن فكرة التخلص سريعاً من مصادر الطاقة الحالية، قائلاً "لا يمكننا فصل نظام الطاقة (الحالي) اليوم قبل أن نبني نظام الغد الجديد". ودعا إلى فصل "الحقائق عن الخيال".

لكنّ المدافعين عن المناخ يرون هذا التوصيف خاطئاً.

ويقول الجندي "لا أحد ينادي بالوقف الفوري (لمصادر الطاقة الأحفورية)، بل المطلوب عدم حفر المزيد من الآبار، وعدم زيادة الطاقة الإنتاجية".

ومن أجل حصر الاحترار بـ1,5 درجة مئوية، دعت وكالة الطاقة الدولية والأمم المتحدة إلى الامتناع عن أي استثمارات جديدة في الفحم والنفط والغاز الطبيعي.

وانتقدت السعودية - أكبر مصدّر للنفط في العالم - وكالة الطاقة الدولية، ووصفتها بأنها هيئة "سياسية"، فيما يمضي القطاع في توسيع أنشطته بصورة كبيرة على مستوى العالم.

ويعتبر الجندي أن هذا الأمر يحوّل الأنظار عن الحلول المهمة، بما فيها خفض دعم النفط والغاز، والذي بلغ بحسب صندوق النقد الدولي، 7 تريليونات دولار في عام 2022، أو 7 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي.

- نهج "غير تقليدي" -

وتسعى الإمارات العربية منذ عقود الى التنويع في مصادر الاقتصاد لتخفيف الاعتماد على النفط، كما تعهدت باستثمار عشرات مليارات الدولارات في قطاع الطاقة المتجددة.

لكن بحسب الدروبي، فإن هذا المنحى بالنسبة للإمارات يعني "التوسع في مصادر الطاقة المتجددة، وليس الحد فعلياً من الوقود الأحفوري".

ويُتوقع أن تطالب بلدان عدة في قمة المناخ كوب28 بالتزام غير مسبوق بالابتعاد عن الوقود الأحفوري.

ويوضح الدروبي أن دولة الإمارات ترمي إلى "فصل التوسع التدريجي في مصادر الطاقة المتجددة عن التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري".

وفي هذا الصدد، يقول الجندي إن دول الخليج ترى أنها يجب أن تكون "آخر المنتجين الصامدين"، نظراً لأن المنتجات التي تقدمها هي "الأنظف والأرخص".

من ناحية أخرى، يلفت الجندي إلى أن هذه الدول اعتمدت ما يسميه نهجاً "غير تقليدي" في معركة المناخ لا يتمحور على خفض الكربون، مثلما يصرّ العلماء، ولكن على "إدارة الكربون، مع إعادة استخدامه وتدويره، ثم عزله تحت الأرض في النهاية".

- "لا نملك الوقت" -

وبدلا من التخلص من الوقود الأحفوري بشكل كامل، تروّج شركات النفط العملاقة لتقنيات عدة بوصفها حلولاً واعدة لخفض الانبعاثات.

وتشمل هذه التقنيات التقاط ثاني أكسيد الكربون وتخزينه، والاقتناص المباشر من الهواء، وتجارة الائتمانات الكربونية، وهي تقنيات تصفها سلطانة بأنها "حلول مناخية زائفة".

وتحول تقنية التقاط الكربون وتخزينه دون دخول ثاني أكسيد الكربون الغلاف الجوي عن طريق شفط الانبعاثات من محطات الطاقة، في حين يقوم الاقتناص المباشر من الهواء على سحب ثاني أكسيد الكربون من طبقات الهواء الرقيقة.

وقد أثبتت كلتا التقنيتين نجاحهما، لكنهما لم تنضجا بعد ولا تزالان بعيدتين عن إمكان اعتمادهما على نطاق تجاري.

غير أن مشاريع التداول بأرصدة الكربون التي تستند إليها جهات عالمية عدة في الترويج لخططها من أجل بلوغ مستوى "الانبعاثات الصفرية"، تصطدم منذ فترة طويلة باتهامات بالخداع، ونقص الشفافية، وممارسات مشكوك بصحتها، فضلاً عن مشكلات مزمنة مرتبطة بتضارب المصالح.

وبحسب الجندي، فإن هذه الحلول "تحتاج إلى سنوات لتكون قابلة للتطبيق، ونحن ببساطة لا نملك هذا الوقت".

وأكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في أيلول/سبتمبر الفائت الحاجة إلى تسريع وتيرة الخطوات المتخذة في هذا المجال. وقال "علينا تعويض الوقت الضائع في المماطلة وليّ الأذرع والجشع السافر للمصالح الراسخة التي تجني المليارات من الوقود الأحفوري".

بها/بام/جك

Agence France-Presse ©