2011

الإصابات

36

الوفيات

1348

المتعافون

عيسى مخلوف

وقفة من باريس

كورونا بين دفّات الكتب

6 حزيران 2020

02 : 00

عندما تفشّى وباء كورونا وبدأت مرحلة الحَجْر، لجأ الكثير من الناس إلى الكتب يبحثون فيها عن صدى لهذه التجربة الفريدة في حياتهم ولما يمكن أن تتركه من آثار على الحاضر والمستقبل. من الكتب التي عادوا إليها رواية "الطاعون" لألبير كامو ورواية "1984" لجورج أورويل. ثمّ التفت عدد كبير من القرّاء إلى مؤلّفات يستلهمون منها الشجاعة والقوّة وتساعدهم على مواجهة الأسوأ، وتحمل تواقيع فلاسفة رواقيّين منهم، على سبيل المثال، ماركوس أوريلوس ولوكيوس سينيكا، وكذلك ميشال دو مونتين. لكن، مع انتهاء الحجر وعودة المكتبات إلى نشاطها، بدأت الكتب الجديدة تصدر تباعاً، هنا، في فرنسا، وفي مناطق أخرى من العالم، بينما كان الروائي الأميركي دوغلاس كينيدي يتساءل: "كيف نكتب عن شيء لا نزال نجهل انعكاساته على المدى البعيد؟".

الردّ الأوّل على هذا السؤال قد نجده عند الكاتب التركي أورهان باموك الذي يلاحظ أنّ بعض ما نعيشه اليوم تكرار للماضي. ويصرّح الحائز على جائزة نوبل للآداب بأنه يعمل منذ أربع سنوات على إنجاز رواية تاريخية تتمحور حول الطاعون الأسود الذي اجتاح آسيا مطلع القرن العشرين، ويعتبر أنّ ردود الفعل على الوباء آنذاك كانت مطابقة لما يعيشه العالم اليوم، وهي تترواح بين نكران الواقع والخوف من المجهول وانتشار الشائعات.

من الكتب الفكرية التي ستصدر في فرنسا خلال هذا الشهر كتاب المفكّر وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران، بالاشتراك مع زوجته صباح أبو السلام المختصّة هي أيضاً في علم الاجتماع، تحت عنوان: "لنغيِّر المسار/ دروس وباء كورونا"، ويشير فيه، كما في الكثير من كتبه، إلى مسؤولية النزعة التي تؤلّه الاقتصاد وتنتصر للمردودية المادية فحسب، عن الكثير من الويلات التي يعيشها العالم المعاصر. لكنه يراهن على الاستجابة لهذا التحدّي الجديد فنسمعه يقول: "يذكّرنا وباء كورونا بإنسانيتنا ووضعنا ككائنات تربطها أواصر اجتماعية عميقة، ولا تنفصل عن بعضها بعضاً"، ويضيف: "إنّنا نعيش في مرحلة المجهول واللايقين، وعلينا أن نتحمّل اللايقين الذي ينطوي على الخطر وعلى الأمل في وقت واحد".

ومن الأعمال الروائيّة الأولى التي تستلهم الجائحة رواية بعنوان "التاج اللعين" (عن دار "بْلُونْ" الباريسيّة) لألكسندر نجّار. في هذا الكتاب، يأخذنا الراوي إلى ثمانية بلدان، منها الصين وإيران وإيطاليا ولبنان، ليرصد ردود الفعل على الوباء من خلال شهادات ثمانية أشخاص يروون الفصل الأوّل من المأساة كما عاشوها. يتحدّث هؤلاء، من زوايا مختلفة، عن موضوع واحد يمسّ جميع سكان هذا الكوكب الذي بدا عارياً ومكشوفاً أكثر من أيّ وقت مضى. رواية ألكسندر نجّار تروي هذه اللحظة الفاصلة في تاريخ الشعوب. تلتقطها في عبورها وتشهد عليها شهادة إنسانية تكون فيها المعاناة الفردية انعكاساً لمعاناة الجميع.

نصوص وقصائد كثيرة كُتبَت من وحي الوباء والحَجْر أيضاً. الحَجْر الذي يخرج منه الناس الآن، لكن ليس إلى الحياة المعتادة، بل إلى نمط آخر من العيش، غريب وفريد من نوعه، طالما أنّ الوباء لا يزال حاضراً، واللقاح المنتظَر لم يوجد بعد. بين هذه النصوص، قصائد لعبّاس بيضون تنطلق من الحالة الراهنة لتذهب إلى المناطق الأبعد في النفس وأسئلتها حيال الحياة والموت وهشاشة الجسد الخائف ومصيره المحتوم.

أطلّ عبّاس بيضون في قصائده بوجه خائف كوجوهنا، متمتماً بأحرف، ملوّحاً بكلمات كما يلوّح الغريق من مَركب يغرق. كأنّه يكتب ما يشبه الاحتماء بمظلّة الخوف، أو، كما ورد على لسانه، "مرثيّة مُبكرة للجسد المطروح وحيداً والذي يُقاتل في رُقاده". وهي مرثيّة تحيل إلى "مراثي دوينو" لريلكه الذي يستحضره الشاعر حين يشير إلى "الملاك المخيف". يتحدّث عن "عالم مُعَقَّم"، وعن مشاعر جرى تعقيمها. يتلمّس جسده ويقول: "لم تقع أيّ وفاة ولا أزال حيّاً". لكنّه سرعان ما يستدرك: "لقد جاء الوقت/ علينا أن نستعدّ لمغادرة أشباحنا".

كان للكتب دور في التخفيف من وطأة الحَجْر والوحدة، وفي تدجين الخوف. الكتب التي كشفت عن مشاعرنا الخبيئة وأصبحت سجلَّ حياتنا. وهي تتحدّث عنّا بمقدار ما تتحدّث عن كتّابها، وإلاّ كيف نشعر أحياناً، ونحن نقرأ، كأننا ننظر إلى وجوهنا في مراياها. نقرأها ونتابع معها البحث عن الحقيقة؟ الحقيقة التي لا تُستَجدَى ولا تُعطى، أو كما يقول مارسيل بروست، وبأيّ فطنة ودقّة: "ربّما لا يمكننا أن نتلقّى الحقيقة من أحد، وعلينا أن نبتكرها بأنفسنا". أليس هذا هو الهدف الأعمق الذي تسعى إليه الكتابة والقراءة معاً؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.