كبيرتانيجا

استراتيجية الهند الجديدة في الشرق الأوسط أصبحت واضحة

8 دقائق للقراءة

المصدر: Foreign Policy

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مع نظيره الاسرائيلي بنيامين نتنياهو

غالباً ما تُعتبر سياسة الهند في الشرق الأوسط ناجحة ومربكة في آن خلال عهد رئيس الوزراء ناريندرا مودي. يحمل «حزب بهاراتيا جاناتا» الذي يحكم البلد وينتمي إليه مودي نزعة هندوسية يمينية قومية، ومع ذلك حقّق تواصل الهند مع منطقة الخليج العربي خلال العهد الحالي نجاحاً واضحاً في العقد الأخير.



جاءت الحرب المستمرة بين إسرائيل وحركة «حماس» لتسلّط الضوء على التوازن الدبلوماسي الذي تقيمه نيودلهي بين الشرق الأوسط «الجديد» ودعمها التقليدي للشرق الأوسط «القديم». ترتكز المقاربة الجديدة على تقرّب الهند المتزايد من النظام الأمني الأميركي، بينما تتّضح معالم المقاربة الثانية في الابتعاد الصريح عن مبدأ عدم الانحياز. تثبت مشاركة الهند في أدوات جديدة من الدبلوماسية الاقتصادية تلك التغيرات اللافتة في موقف البلد، انطلاقاً من إجماع ناشئ بين نيودلهي وواشنطن للتصدي للصين التي تزداد عدائية.

لطالما كانت الهند من أقوى داعمي القضية الفلسطينية منذ استقلالها، فهي تنظر إلى الأزمة انطلاقاً من دعمها المعنوي لسيادة فلسطين وباعتبارها من معارضي الاستعمار. في العام 1975، أصبحت الهند أول دولة غير عربية تمنح مكانة دبلوماسية كاملة لمنظمة التحرير الفلسطينية. كان رئيس المنظمة حينها، ياسر عرفات، يزور نيودلهي باستمرار. لكن أصبحت هذه العلاقة أكثر تعقيداً اليوم.

في الشهر الماضي، أدان مودي هجوم «حماس» قبل أسابيع على استضافة جناح الشباب في «الجماعة الإسلامية»، في ولاية كيرلا الجنوبية، لحوار افتراضي مع القيادي السابق في «حماس»، خالد مشعل، ما يثبت وجود آراء متنوعة جداً داخل الهند في هذا الملف.

منذ بداية الحرب بين إسرائيل و»حماس»، تواصل مودي مع ستة قادة إقليميين لتوضيح الموقف الهندي، بدءاً من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وصولاً إلى الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي. حاولت حكومة مودي التوفيق بين أهداف إسرائيل المرتبطة بمكافحة الإرهاب ضد «حماس» والأزمة الإنسانية الفلسطينية. لطالما كانت مكافحة الإرهاب أداة أساسية في مقاربة مودي الدبلوماسية الدولية، وهي تنبثق من جهود الهند الرامية إلى عزل باكستان دولياً بسبب الأعمال الإرهابية المدعومة من الدولة.

لكن تحمل الدبلوماسية الهندية في منطقة الخليج هدفاً آخر: تقوية مكانة الهند في كشمير، ما يسمح بتحديد معالم الصراع بين الهند وباكستان، وإضعاف موقف إسلام أباد في مؤسسات مثل منظمة التعاون الاسلامي. في شباط 2019، أصبحت وزيرة الخارجية السابقة، سوشما سواراج، أول وزيرة هندية تتلقى دعوة للتكلم في المنظمة منذ العام 1969، وقد اعتُبِر ذلك الحدث انتصاراً كبيراً للدبلوماسية الهندية. تم تمثيل باكستان بمقعد فارغ خلال خطاب سواراج.

في غضون ذلك، طوّرت نيودلهي علاقتها مع الولايات المتحدة أيضاً. في آسيا، سمح إعطاء طابع مؤسسي لآليات مثل الحوار الأمني الرباعي بتقريب المسافة بين واشنطن ونيودلهي أكثر من أي وقت مضى، إذ يسعى البلدان إلى التعاون لكبح مسار الصين التي تثير مشاكل متزايدة. لكن لم يقتصر تعاون الهند مع الولايات المتحدة على آسيا فحسب بل امتد إلى الشرق الأوسط أيضاً، فنشأت مبادرات مثل مجموعة «آي 2 يو 2» (بين الهند، وإسرائيل، والإمارات العربية المتحدة، والولايات المتحدة)، والممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.

لكن لطالما طرحت السياسة الهندية المحلية التحديات أيضاً. في العام 2022، أثارت تعليقات متحدث باسم «حزب بهاراتيا جاناتا» ضد النبي محمد إدانة واسعة من جانب الدول الإسلامية، بما في ذلك بلدان تربطها شراكات وثيقة مع الهند. كانت الخطابات المعادية للمسلمين في الأوساط السياسية الهندية الخاصة محط نقاش بين الدول العربية ونيودلهي سابقاً. خلال الفترة نفسها، تصدّت الهند لتقارير أصدرتها وزارة الخارجية الأميركية حول تدهور الحريات الدينية في البلد، فاعتبرتها نيودلهي تقارير «منحازة». لكن رغم هذه الاختلافات، بقي التعاون الاستراتيجي الثنائي متيناً.

كان نشوء مجموعة «آي 2 يو 2» نتيجة مباشرة للتوقيع على «اتفاقيات أبراهام» في العام 2021. سارعت إسرائيل والإمارات العربية المتحدة إلى إنشاء علاقة ثنائية اقتصادية قوية منذ ذلك الحين. كذلك، ساعدت تلك الاتفاقيات بلداناً مثل الهند على تكثيف تعاونها الاقتصادي والسياسي بسهولة متزايدة.

تجدر الإشارة إلى أن مجموعة «آي 2 يو 2» قد تُعتبر منصة للتعاون الاقتصادي برأي البعض، لكن شاركت جميع الدول الأعضاء فيها في مناورات عسكرية واسعة في المنطقة بشكلٍ أو بآخر. كانت الهند جزءاً من هذه العمليات، فقد وسّعت فروع قواتها المسلحة الثلاثة (الجيش، القوات البحرية، سلاح الجو) نطاق تحركاتها ومشاركتها.

إلى جانب مجموعة «آي 2 يو 2»، يُعتبر الإعلان عن الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا أحدث إثبات على اصطفاف الهند مع الأهداف الأميركية الجيو اقتصادية. يعتبر الكثيرون هذا المشروع أداة للتصدي لـ»مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتقضي هذه الفكرة بربط الشرق الأوسط مع أوروبا والهند عبر ممر تجاري قادر على مضاهاة قناة السويس.

لكن تنتسب بلدان أخرى إلى «مبادرة الحزام والطريق» أيضاً، وهي تهتم بتطوير شراكات وثيقة مع بكين. سبق واعتبرت وسائل الإعلام التي تنشر الحملة الدعائية الخاصة بالحزب الشيوعي الصيني الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا مجرّد «قلعة في مهب الريح». في المقابل، اعتبر الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، والهند، ذلك الممر نسخة جديدة من طريق سريع وعابر للقارات لتعزيز الترابط الرقمي والاقتصادي.

لكن لا يزال الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا في مراحله الأولى، ولم تُطرَح حتى الآن أي خطة لتوضيح طريقة عمله. بدأت هذه الممرات الاقتصادية الجديدة والظروف الجيوسياسية المتبدلة تُغيّر السياسة الخارجية الهندية التي كانت تحرص دوماً على تجنّب المخاطر، لكنها باتت مستعدة الآن لخوض بعض المغامرات. اليوم، أصبحت الهند أقرب إلى الولايات المتحدة مما كانت عليه في أي مرحلة سابقة من تاريخها منذ نيل استقلالها.

في غضون ذلك، تتلاحق الآراء الهندية التي ترفض تعميق التعاون مع الولايات المتحدة منذ أن ساعدت الهند واشنطن في الاتفاق النووي الإيراني قبل الانسحاب منه بطريقة شائكة في العام 2018. اضطرت نيودلهي للتخلي عن مزايا دبلوماسية بارزة للتماشي مع المتطلبات الأميركية عبر إنهاء جميع صفقات استيراد النفط من إيران التي تملك احتياطيات واسعة، وتعرض صفقات مربحة، وتتّسم بموقع جغرافي مناسب. هذه الخطوة دعمت السياسة التي تبنّتها واشنطن في تلك الفترة وكانت مبنية على فرض عقوبات صارمة ضد طهران لدفعها إلى التفاوض مع البلدان دائمة العضوية في مجلس الأمن. لا تزال أحداث مثل انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق تُضعِف الثقة بواشنطن في الأوساط السياسية الهندية.

قد تتعارض نزعة الهند إلى التمسك باستقلاليتها الاستراتيجية وأسلوبها الفريد من نوعه في قيادة الجنوب العالمي مع دورها الاستراتيجي في الشرق الأوسط كشريكة للولايات المتحدة. لطالما كان دعم الهند لسياسة عدم الانحياز من أقدم النجاحات التي حققها البلد في هذه المنطقة. وبما أن بعض المراقبين سارعوا إلى اعتبار مجموعة «آي 2 يو 2» نسخة الشرق الأوسط من الحوار الأمني الرباعي، أوحت هذه المجموعة بأنها امتداد للمصالح الأميركية الأساسية التي تقضي باحتواء الصين. لم تستعمل الهند يوماً هذا النوع من المصطلحات في مواقفها الرسمية، لكن انعكست هذه التلميحات في وسائل الإعلام سلباً على نوع الحياد الذي تأمل نيودلهي في الحفاظ عليه حتى الآن.

أخيراً، تتجاوز رؤية الهند الخاصة بالشرق الأوسط ملفات تقليدية مثل الهجرة وأهمية مصادر الطاقة. هي تريد اليوم أن تصبح شريكة في خطط النمو الإقليمية في حقبة ما بعد النفط. يُكلَّف الدبلوماسيون الهنود في المنطقة راهناً بتأمين استثمارات أجنبية مباشرة من صناديق الثروة السيادية العربية الواسعة، بعدما كان دورهم يقتصر سابقاً على التعامل مع شؤون المهاجرين. في الوقت نفسه، تتساهل حكومة الأغلبية التي يقودها مودي ووصلت إلى السلطة في العام 2015 مع الملوك العرب الذين ما عادوا مضطرين لتجاوز متاهة معقدة من سياسات التحالف الهندية قبل اتخاذ قرارات سريعة.

أصبحت الهند شريكة في جوانب من الهندسات الأمنية المستقبلية بعد انتسابها إلى مجموعة «آي 2 يو 2» والممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، في واحدة من أكثر المناطق القابلة للاشتعال في العالم، سواء حبّذ قادة البلد هذا الوضع أو لم يفعلوا. إنه موقف جريء وجدير بالثناء بالنسبة إلى اقتصاد يحتاج إلى موارد عالمية كبرى لتحقيق أهدافه الاقتصادية الشاقة مستقبلاً. يستفيد الشرق الأوسط بدوره من استعمال الهند كسوق كبير للطاقة، ما يسمح له بتنويع صادراته وكبح النفوذ الصيني في سوق سلع أساسية مثل النفط والغاز.