شهدت محافظة الأنبار العراقية عدداً من أشرس المعارك غداة الغزو الأميركي في العام 2003، ثم بعد مرور عشر سنوات، عندما دمّرت الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» مدنها. لكن على عكس المناطق السنية الأخرى التي واجهت المصير نفسه، شهدت هذه المحافظة الواقعة في أقصى غرب العراق تطوراً لافتاً في السنوات الأخيرة. تزامنت حملة إعادة إعمارها بتمويل جزئي من الحكومة الأميركية مع ظهور استثنائي لأقوى سياسي سنّي منذ سقوط صدام حسين.
خلال أربع سنوات فقط منذ دخوله معترك السياسة في العام 2014، تحوّل محمد الحلبوسي، الذي يبلغ اليوم 42 عاماً، من رجل أعمال غير معروف على نطاق واسع إلى رئيس مجلس النواب، وهو أهم منصب سنّي في العراق ذات الأغلبية الشيعية. شَغَل الحلبوسي هذا المنصب منذ العام 2018 حتى الفترة الأخيرة، ما جعله السياسي العراقي الوحيد الذي يحافظ على منصبه لأكثر من ولاية واحدة منذ الغزو الأميركي في العام 2003. لكن أحدث نجاحه في ترسيخ سلطته ردة فعل عنيفة وسط السنّة والشيعة معاً.
يوم الخميس الماضي، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في العراق حُكماً يقضي بإلغاء عضوية الحلبوسي في البرلمان، فتوّجت بذلك أشهراً من صراع محتدم على السلطة بين رئيس مجلس النواب ومجموعة متوسّعة من الخصوم. اعتُبِر الحلبوسي مذنباً بتهمة التزوير في قضية رفعها النائب السابق ليث الدليمي. اتّهم هذا الأخير الحلبوسي باستعمال رسالة استقالة مزيفة لابتزازه.
كذلك، يواجه الحلبوسي تُهماً بسجن خصومه، ومعاقبة منتقديه عبر إصدار مذكرات توقيف بحقهم، بموجب القوانين العراقية الشاملة لمكافحة التشهير، وتجريد خصومه من أهليّتهم لمنعهم من المشاركة في الانتخابات عبر استغلال الأحكام الصارمة لاجتثاث حزب البعث، علماً أنها تمنع أعضاء النظام السابق من المشاركة في العمليات السياسية. رفض الحلبوسي ومكتبه الرد على طلبات متكررة لإجراء مقابلات معهم.
بدأ رئيس الوزراء محمد السوداني، منذ وصوله إلى السلطة في تشرين الأول من السنة الماضية، يسترجع جزءاً من صلاحيات الحلبوسي التنفيذية عبر إقالة الموالين له والتحقيق بمزاعم الفساد في الأنبار. تفيد التقارير بأن عدداً من المسؤولين الحكوميين منخفضي الرتبة اعترفوا بأنهم تصرفوا بطلبٍ من الحلبوسي في تحقيق منفصل حول ادعاءات على صلة ببيع الأراضي بطريقة غير شرعية في الأنبار.
كان الحلبوسي مهندساً متدرباً ومقاولاً سابقاً، وهو جزء من جيل جديد من القادة السنّة الذين بنوا قاعدتهم السياسية بالمال. لكنه تميّز عن الآخرين بذكائه، واندفاعه، وقدرته على عقد الصفقات في الوقت المناسب. هو استفاد من سلسلة أزمات اجتاحت العراق في العقد الأخير، بما في ذلك الحرب ضد «الدولة الإسلامية»، وتظاهرات تشرين الأول 2019، وتوتر العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، وتحوّل العراق إلى ساحة معركة لصراع السلطة العالمي.
بعد فترة قصيرة على استلام الحلبوسي منصبه الجديد كرئيس مجلس النواب، جاءت الظروف المتبدلة لتزيد قوته مجدداً. اندلعت احتجاجات حاشدة في العام 2019، في جنوب العراق، ما أدى إلى زعزعة أسس النظام السياسي الذي نشأ بعد العام 2003، خلال المرحلة التي باتت تُعرَف بـ»ثورة تشرين». نزلت أعداد كبيرة من الشباب الشيعي إلى الشوارع للمطالبة بإنهاء الفساد وسقوط النخبة الحاكمة. ركّز السياسيون الشيعة على سحق تلك الحركة الاحتجاجية، بينما سعى الحلبوسي إلى توسيع نطاق نفوذه بكل هدوء واستفاد من ضعف الحكومتَين المتعاقبتَين، ما سمح له بالتعدي على الصلاحيات التنفيذية.
في عهد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي تحديداً، وسّع الحلبوسي نطاق نفوذه في عمق السلطة التنفيذية. أعطاه الكاظمي حرية التصرف لإدارة شؤون البلد في المناطق السنية وفق مصادر متعددة، بما في ذلك التحكم بالتعيينات في أهم المناصب الأمنية والحكومية في الأنبار، مثل رئيس قسم الشرطة أو قيادة العمليات الإقليمية المشتركة.
يقول خالد العبيدي، وزير الدفاع العراقي بين العامين 2014 و2016: «لقد كان أقوى من رئيس الوزراء. تحقق كل ما أراده الحلبوسي في المحافظات السنية من دون تدخّل الكاظمي».
كلما أمعن الحلبوسي في ترسيخ سلطته، كان ينحرف عن المبادئ التقليدية التي تحكم تقاسم السلطة في العراق ومجتمع الأنبار القبلي. يقول ستار الجميلي، شيخ قبيلة الجميلي التي كانت تشكّل الأغلبية في المجلس المحلي في بلدة الكرمة التي ينحدر منها الحلبوسي، قبل أن يشرف على التصويت لحل المجالس في العام 2019: «هو يستعمل المال والنفوذ. إما أن نكون معه أو ضده. ما من حل وسط لمعالجة المشاكل».
يأتي الحلبوسي من قبيلة غير بارزة نسبياً في الأنبار، لكنه نجح في التغلب على هذا الخلل بمهارة عبر عقد صفقات مع سياسيين شيعة واستمالة دول الخليج التي تعتبره شريكاً مفيداً لتحقيق مصالحها الجيوسياسية. يقول دبلوماسي عربي في بغداد (رفض الإفصاح عن اسمه): «هذا الرجل جدير بالثقة، وثمة إجماع حول ذلك في المنطقة على ما أظن».
لكن يشعر جزء كبير من السنّة محلياً بأن الحلبوسي باع قضيتهم في سبيل البقاء في السلطة. رغم ولايته الطويلة كرئيس للمجلس التشريعي، يظن النقاد أنه لم يعالج قائمة من مشاكل السنّة القديمة، منها إلغاء عملية اجتثاث حزب البعث وتحسين تمثيل السنّة في الحكومة والجهاز الأمني. يقول متحدث سابق باسم البرلمان: «لقد فشل في قيادة السنّة. هو يتصرف وكأنه رئيس حزب، لا كرئيس مجلس النواب».
يشتكي كبار السياسيين السنّة من قيادة الحلبوسي لأن السلطة التشريعية العراقية في عهده خسرت فاعليتها، ما أدى إلى تآكل أسس الديمقراطية الهشة أصلاً في العراق. يوضح العبيدي الذي أصبح راهناً جزءاً من لجنة الأمن والدفاع في البرلمان: «تمثيل الحلبوسي للبرلمان العراقي لا يصبّ في مصلحتنا. خسر البرلمان كامل قيمته الآن. أصبحت جميع اللجان البرلمانية جامدة، وقد تم انتقاء رؤسائها بناءً على ولائهم، لا كفاءتهم». يوافق رئيسان سابقان لمجلس النواب على تعطّل عمل البرلمان اليوم.
في بداية هذه السنة، بدأت حملة مكثفة لإسقاط الحلبوسي تزداد زخماً في الأنبار. في أحد أيام الجمعة من شهر أيار الماضي، احتشد آلاف الرجال في حقل مغبر واسع بالقرب من الفلوجة لحضور تجمّع من تنظيم خصوم الحلبوسي. نشأ «تحالف الأنبار الموحّد» بقيادة مجموعة من الحكّام السنّة السابقين، والوزراء، وقادة القبائل، ويقال إنهم يحظون بدعم سياسيين شيعة يسعون إلى إضعاف قاعدة الحلبوسي في محافظته الأم.
وقف عدد من المسؤولين على منصة وراحوا يخاطبون حشد الناس تباعاً. قارن زعيم التحالف، جمال الكربولي، بين حُكم الحلبوسي والاحتلال الأميركي الذي قاومته تلك المدينة، فقال: «إنه خطأ من يظن أنه سيّد الفلوجة. نحن حضرنا اليوم لتصحيح المسار وإطلاق مشروع لاسترجاع حقوق الفلوجة».
كان الكربولي، الذي يتمتع بثقل كبير في عالم السياسة والأعمال، قد ساعد الحلبوسي على ترسيخ مكانته في السياسة في العام 2014، لكنه عاد وشاهد كيف تمرّد تلميذه عليه. في العام 2021، اعتُقِل الكربولي وتعرّض للتعذيب على يد فرقة مكافحة الفساد التي استعملتها حكومة الكاظمي لمطاردة الخصوم السياسيين. يظن الكربولي وآخرون أن ذلك الاعتقال حصل بأمرٍ من الحلبوسي.
صرّح الكربولي لصحيفة «فورين بوليسي»: «لقد أخفوني عن الأنظار طوال خمسة أشهر، بموافقة الكاظمي، كي يتمكن الحلبوسي من الفوز». أُطلِق سراح الكربولي نتيجة سقوط التُهَم الموجّهة ضده بعد فترة قصيرة على حصول الانتخابات البرلمانية في تلك السنة.
يُعتبر اعتقال الكربولي مثالاً بسيطاً على ما يَصِفه البعض بالحملة المهنجية لسحق المعارضة، علماً أن هذه الحملة أعطت الحلبوسي ألقاباً مثل «الدكتاتور» أو «صدام الجديد». واجه الناشطون والمدنيون في الأنبار حملات ترهيب وتهديدات متزايدة بسبب انتقادهم للسلطات على مواقع التواصل الاجتماعي. كذلك، استدعى رئيس قسم الشرطة شيوخ القبائل الذين اشتكوا من الاستيلاء على الأراضي أو من تهميشهم، أو وُجّهت ضدهم تُهَم بموجب قوانين التشهير البالية من حقبة حزب البعث.
لكن لم ينجم سقوط الحلبوسي في نهاية المطاف عن توسّع الاستياء الشعبي في محافظته الأم أو وسط السنّة في العراق. في خطوة كانت لتُهمّش داعميه الشيعة السابقين، وافق الحلبوسي في العام 2021 على تشكيل حكومة أغلبية مع رجل الدين الشيعي الشعبوي مقتدى الصدر. اعتُبِر هذا التحالف جهداً غير مسبوق يبذله مسؤول سنّي لانتزاع حُكم الأغلبية الشيعية عبر تأجيج الخلافات الداخلية بين الشيعة.
سرعان ما عولج المأزق السياسي القائم منذ أشهر عبر مواجهة قصيرة لكن عنيفة بين الفصائل الشيعية المتناحرة، ما أدى إلى هزيمة الصدر واستبعاده من العملية السياسية. عاد الحلبوسي سريعاً إلى «الإطار التنسيقي»، وهو التحالف الشيعي الذي شكّل الائتلاف الحاكم لاحقاً. بعد مرور سنة، يبدو أن سياسة تغيير الولاءات التي طبّقها الحلبوسي ارتدّت عليه.
يقول الدبلوماسي العربي: «لقد تجاوز الخط الأحمر. إنها المرة الأولى التي يحاول فيها شخص سنّي تقسيم الشيعة. لم ينسَ أحد فِعْلَته».