رشيد خالدي

إدوارد سعيد... الكاتب المنفي المخضرم

8 دقائق للقراءة

المصدر: The Nation

لا يزال إدوارد سعيد، بعد 17 سنة على وفاته، قيمة فكرية كبيرة في الأوساط الأكاديمية والعامة. تأكدت أهميته حديثاً مع صدور كتابَين جديدَين عنه. يقدّم كتاب After Said (ما بعد سعيد)، من إعداد بشير أبو منّة، تقييمات لمجموعة واسعة من أعمال سعيد برأي 12 كاتباً وأكاديمياً مرموقاً. أما كتابThe Selected Works of Edward Said, 1966–2006 (أعمال مختارة لإدوارد سعيد، 1966-2006)، من إعداد مصطفى بيومي وأندرو روبين (هما من طلابه السابقين)، فيشكّل نسخة موسّعة من كتاب The Edward Said Reader (إدوارد سعيد القارئ) الذي نُشِر قبل بضع سنوات من وفاته في العام 2003.

قدّم هذا الكتاب تفاصيل وافية عن تأثير سعيد كمفكر عام. المجموعة الجديدة أطول من العمل الأصلي بأكثر من 150 صفحة، وتشمل ثماني مقالات لم تُنشَر في المجلّد السابق، فضلاً عن تمهيد جديد ومقدمة طويلة.

تترواح المقالات المضافة بين تعليقات سياسية وتأملات عميقة عن "أحدث نزعة" في الموسيقى والأدب، وقد نُشِرت هذه المؤلفات كلها بعد وفاته. يعكس بعضها، على غرار محاضرة Freud and the Non-European (فرويد وغير الأوروبي)، المخاوف التي شَغَلته في المرحلة الأخيرة من حياته، وتُعتبر هذه المراجع من أكثر مؤلفاته تعقيداً وسلاسة. تُذكّرنا مقالات أخرى بقاعدة قرّائه الواسعة وحجم اهتماماته وعمق أفكاره.

وُلِد إدوارد سعيد في فلسطين في العام 1935 في ظل الحكم البريطاني ونشأ في القاهرة حين كانت مصر مستقلة بالاسم فقط. تعلّم في المراحل الأولى في نظام تعليمي يطغى عليه التأثير الاستعماري البريطاني. طُرِد من مدرسة "فيكتوريا كوليدج" وواجه صعوبة في التكيّف مع محيطه وأمضى جزءاً من شبابه بين لبنان وفلسطين. خسرت عائلته الميسورة منازل وشركات وأملاكاً في القدس بعد أحداث النكبة الفلسطينية في العام 1948. لم يواجه سعيد الشاب تداعيات كبرى من الناحية المادية، لكنّ هذه الأحداث أثّرت على شخصيته، وقد تأثّر بالقدر نفسه بالبيئة السياسية والاجتماعية والثقافية التي نشأ فيها.

ثم ذهب سعيد إلى الولايات المتحدة لاستكمال تعليمه الثانوي في إحدى مدارس "نيو إنغلاند" وتخرّج منها في العام 1953. تسجّل لاحقاً في جامعة "برينستون"، حيث درس النقد الأدبي، ونال شهادة دكتوراه من جامعة "هارفارد" وأصدر مؤلفات عن الكاتب جوزيف كونراد. كان سعيد عالِماً تقليدياً في تلك المرحلة، فشغل منصباً مرموقاً في قسم اللغة الإنكليزية والأدب المُقارَن في جامعة "كولومبيا" في العام 1963 ونشر كتاباً عن كونراد وأضاف عناصر من سيرته الذاتية إلى رواياته. لكن شكّلت الأحداث العالمية، لا سيما الحرب العربية الإسرائيلية في العام 1967، نقطة مفصلية في حياته. حين شاهد تلك التطورات من نيويورك أو من لبنان خلال عطلة الصيف مع عائلته، أدرك الاختلاف بين حقيقة ما يحصل في الشرق الأوسط وطريقة تصوير الأحداث في الغرب. انعكست هذه الفكرة على جميع أعماله اللاحقة: في كتاب Orientalism (الاستشراق) أولاً في العام 1978 ثم The Question of Palestine (قضية فلسطين) في السنة اللاحقة.





صحيح أن النقطة المفصلية في تفكير سعيد تعلقت بحرب العام 1967، لكن اتّضحت تحولاته الفكرية للمرة الأولى في مجموعة منشورات في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات مع صدور كتب Orientalism وThe Question of Palestine وCovering Islam (تغطية الإسلام). في أعمال سعيد السابقة، كان يسهل أن نرصد جزءاً من الخصائص التي جعلت كتاباته اللاحقة أكثر قوة. كان تعاطفه مع كونراد مثلاً مؤشراً جزئياً على التقدير الذي يحمله منفي متعدد اللغات يكتب بلغة مختلفة عن لغته الأم لكاتب منفي آخر يتقاسم معه نقاطاً مشتركة كثيرة. على غرار كونراد، شعر سعيد بأنه غريب عن محيطه، لذا لم تكن صدفة أن تحمل مذكراته في العام 1999 عنوان Out of Place (غريب في محيطي). ومثل كونراد أيضاً، كان سعيد يدرك حقيقة العالم خارج محيطه. هذا الشعور بالتهميش واطلاعه الواسع على مشاغل الدنيا شكّلا خليطاً قوياً وسمحا له بتكوين مجموعة واسعة ومتنوعة من الأفكار بما يفوق نظرائه بأشواط. كان يفهم ما يعجز الآخرون في "الغرب" عن رؤيته، لا سيما بشأن الثقافة الغربية.

كانت خبرة سعيد وانفتاحه الفكري ركيزة حقيقية لأعماله المعقدة والغنية. منحته هذه الميزات وعياً كاملاً للحقائق وتعاطفاً مع الثقافات الأخرى وخلقت في داخله ازدراءً كبيراً تجاه المناطق المحدودة الجامدة وأحادية اللغة التي تحصر تفكير عدد كبير من الشخصيات المرموقة في الأوساط الأكاديمية الأميركية. كان سعيد يتقاسم الخلفية الطبقية والثقافية نفسها مع عدد من نظرائه، لكنه أصرّ على أهمية تجاوز الحدود الضيقة لأبراجنا العاجية المعزولة والثقافة الغربية المبنية على مراجع ذاتية. عبّر سعيد عن هذا الموقف النقدي بكل وضوح في كتابه Orientalism، لكنه ظهر أيضاً في معظم أعماله النقدية والسياسية الناضجة. في أحد مؤلفاته الأخيرة، The Return to Philology (العودة إلى فقه اللغة)، يرتكز تحليله العميق على إدراك واسع لحجم المجازفات التي تحملها أحداث سياسية محددة، على رأسها الحرب في العراق وموقف وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت في العام 1996 من مقتل آلاف العراقيين خلال ذلك العقد نتيجة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة.

أجاد سعيد الجمع بين الفلسفة والأدب في نقده السياسي. ربما كانت كتاباته السياسية صارمة أو حتى لاذعة أحياناً، لكنه كان يستعمل دوماً أسلوباً نقدياً متقناً بكل رقي وحيوية. تتبنى أفضل المقالات في كتاب After Said هذا الأسلوب، فتستعمل التحليل الأدبي لطرح نقاط سياسية سلسة. لكنها تتجنب في الوقت نفسه أسلوب التبجيل المفرط الذي يطغى للأسف على معظم الأعمال التي تتناول مسيرة سعيد.





تعكس مقاطع كثيرة في كتاب After Said تعاطفاً مع أعماله لكنها تحمل حسّاً نقدياً أيضاً. وتُترجِم مقاطع أخرى مدى قوة أفكاره ورؤيته السياسية. بغض النظر عن الشوائب في نظرة سعيد غير المادية إلى مفهوم الإمبراطورية، على غرار اقتناعه بأن الإمبريالية تشتق من "واجب ماورائي لحكم البلاد"، نجح الكاتب في تسليط الضوء على موضوع أغفلت عنه معظم الدراسات السابقة عن الروايات الأوروبية. تحدى سعيد بذلك فكرة المركزية الأوروبية المتغطرسة التي لا تزال مستمرة في الأوساط الأكاديمية حتى اليوم، كما أنه أعاد توجيه أنظار القراء نحو السياسات التي تساعدنا على تجاوز تلك النزعة. كان سعيد يحاول الترويج لحركة إنسانية قادرة على التهرب من مخالب المركزية الأوروبية. تستطيع هذه النزعة الليبرالية مواجهة الميل إلى تشريع الدمار والموت بحق مدنيين مستبعدين تحت راية الإمبريالية الحميدة.

على صعيد آخر، يكشف كتابا After Said وSelected Works أن سعيد كان ملتزماً بالشؤون السياسية، لكنه لم يكف عن مجادلة الآخرين. بقيت رؤيته حتى النهاية دنيوية وغير مألوفة. لقد أصرّ على ضرورة أن نتجاوز ثقافاتنا الوطنية الضيقة كي نتمكن من فهمها بعمق. كان يدعو الجميع إلى توسيع أفكارهم الأخلاقية والسياسية المحدودة ورؤية العالم بكلّيته واعتباره منزلاً مشتركاً للناس من جميع الأماكن. بما أنه كان مرتاحاً في منفاه في نيويورك أو بيروت أو القاهرة أو باريس أو لندن، أضفى على أسلوبه الأدبي نفحة عالمية سلسة وضخّ نزعة إنسانية دولية في أهم أفكاره السياسية: بقيت تلك النزعة الإنسانية أداة قوية للتصدي للشوفينية الانطوائية والقومية التي كانت تتجه إلى التوسّع في عصرٍ تشوبه الأزمات العالمية.

يتعلق أهم إرث تركه سعيد وراءه على الأرجح بنزعته الدولية وإنسانيته العالمية. تجبرنا الحياة البشرية وتحدياتها (الأوبئة، التغير المناخي، الحروب المتواصلة، السياسات النيوليبرالية التي تُفقِر الكثيرين لإغناء قلة من الناس) على تجاوز الحدود الوطنية أو الثقافية. يسهل أن نتخيّل ردة فعل سعيد على القوى الخبيثة التي منعت معالجة هذه الأزمات المستمرة. يقول ساري مقدسي في كتابه Orientalism Today (الاستشراق اليوم) إن أفضل ما يمكن فعله لمواجهة هذا الوضع الجنوني هو "قراءة أعمال إدوارد سعيد منذ البداية، وكأننا نقرأها للمرة الأولى".

يُذكّرنا كتاب Selected Works والمقالات الواردة في After Said بأن طرح الأفكار القيّمة والآراء النقدية ليس كافياً اليوم، بل يجب أن نوسّع آفاق تفكيرنا على المستويين الجغرافي والأخلاقي معاً. يجب ألا نحارب الأفكار والثقافات داخل الأوساط الأكاديمية الضيقة فحسب، بل في العالم الخارجي وفي الساحات العامة أيضاً. هذا ما فعله سعيد على مر مسيرته المهنية كلها، مع أنه بقي في الوقت نفسه أكاديمياً مرموقاً، وهو لا يزال قدوة حية للعلماء والكتّاب والطلاب والناشطين والمواطنين العاديين حتى اليوم. تعليقاً على تجربة إعادة قراءة مقالات فرويد، كتب سعيد: "أن نتابع، نحن القارئان المنتميان إلى حقبات تاريخية مختلفة والقادمان من خلفيات ثقافية مختلفة، القيام بما نفعله هو أمر يدهشني كثيراً ويثبت لي مدى قوة أعمال فرويد وقدرتها على ضخ أفكار جديدة وتوضيح المواقف بطريقة لم يحلم بها هو شخصياً".

تنطبق هذه الفكرة نفسها على إدوارد سعيد. بصفته ناقداً أدبياً وأستاذاً وناشطاً سياسياً، واجه هذا الكاتب العالم بكل شغف وجدّية وبأسلوب يحاكي جميع الناس في الحقبة المعاصرة.