أصبحَ كتاب إدوار سعيد، "الاستشراق"، بعد سنوات قليلة على صدوره، مَعْلَماً يتمُّ التأريخ ابتداءً منه: ما قبل كتابه، وما بعده.
ما يعنيني من كتابه، هو تلقيه في هذه البلاد، حيث بات أشبه بشعار لمّاع يُرمى في وجه أي مسعى دراسي غربي عن هذه البلاد، من دون تمييز في غالب الأحيان.
ما أقامَه سعيد في الدرس بات أشبه بحليف تلقائي لنظرية "المؤامرة". وراح مثقفون وكتاب، كسالى في البحث او حماسيون في مسائل النظر، "يرمون الوليد مع ماء الوليد" في قاذورات الفكر (وفق عبارة شهيرة). أي راحوا يَجمعون الاستشراق في منحى واحد، من دون النظر الفاحص إليه: يَرْجمون بالحجارة (كما في تظاهرة) المؤسسات الاكاديمية الغربية التي لم تصنع مناهج الدرس الحديثة وحسب، بل صنعت طريقةَ عملِ سعيد نفسه.
أتفهمُ الخشية، بل الهلع، الذي يصيب أعداداً من هؤلاء المثقفين والكتاب، غير أن هذه التعبيرات لا تعدو كونها تعبيرات مقلوبة عما يعايشونه في هذه البلاد من انسداد افق: سيكون أسهلُ عليهم اتهامَ "الغرب" بالمصائب وتجهيلَ العامل المحلي من الحاكم إلى "الشعب".
أقول هذا لأنني، ككاتب، لا يخيفني هذا الفكر، إذ أتعلم منه، ويحرضني على التفكير والبحث والكتابة.
لا أخشاه، لأنني أعرف أنه في مقدورنا أن ندحضه عند الحاجة، أن نصححه، أن نضيف إليه، ولكن بشرط واحد: أن نبحث، وأن نكتب.
لا أخشاه، لأنه فات الزمان على الاستشراق، منذ قرون بعيدة، لكي يستبدل ثقافة هذه البلاد بثقافته: هذا ما استطاعَه مع الغير، بعد "اكتشاف" أميركا، هناك...
المستشرق يطلب، في عالي تطلعاته، ان يصبح أستاذاً لأهل هذه الثقافة، اي منافساً - شريكاً فيها. الجواب مرهونٌ بتصرف كتاب ومثقفي هذه الثقافة، بدل التمسك بغوغائية ثقافية لا تعدو كونها تجلي التقليدية المتعاظم في الثقافة الحالية.