دوامة الموت تعود الى مشرحة مستشفى ناصر بعد انتهاء الهدنة في غزة (ريبورتاج)

5 دقائق للقراءة

يحاول رجل عبثا حبس دموعه وهو يحمل جثمانا صغيرا في كفن أبيض، وقربه تبكي نساء أطفالهن بينما يؤدي رجال صلاة الجنازة... في مستشفى ناصر بجنوب قطاع غزة، غصّت المشرحة مجددا بالقتلى بعد انتهاء الهدنة بين إسرائيل وحماس.

عاودت مشرحة المستشفى في مدينة خان يونس استقبال ضحايا القصف البري والجوي والبحري الإسرائيلي على القطاع، بعدما انتهت صباح الجمعة هدنة الأسبوع بين الدولة العبرية وحركة المقاومة الإسلامية (حماس).

أما الباحة الخارجية، فتغص بأقارب ومحبين يؤدون صلاة الميت على الضحايا قبل نقلهم لدفنهم ووداع آخرين.

وقالت جمانة سعد عبد الغني مراد التي نزحت مع عائلتها من مدينة غزة الى مدرسة خالد الحسن بخان يونس حيث أقاموا في خيم موقتة "فجأة بدأ القصف. كان ابني محمد يحاول إخراج النساء والأطفال من خيمتنا".

وأضافت لوكالة فرانس برس وهي تذرف الدموع "ذهب لينقذ الناس، صار قصف ثاني، أصيب بشظية" قاتلة في رأسه.

وأوضحت جمانة التي ارتدت ملابس سوداء اللون وغطت رأسها بغطاء مزين بألوان زاهية "نحن من النازحين من شمال غزة"، حيث ركز الجيش الإسرائيلي عملياته البرية اعتبارا من 27 تشرين الأول/أكتوبر بعد 20 يومًا من بدء الحرب إثر هجوم حماس على إسرائيل.

وأمر الجيش الذي دفع بدبابته وآلياته العسكرية، ما يناهز 1,1 مليون نسمة يقطنون شمال قطاع غزة، بإخلائه والتوجه جنوبا، من دون أن تتسنى لمن غادروا، فرصة العودة حتى اليوم.

ووفقا لمنشورات الجيش الإسرائيلي، فإن القتال بينه وبين حماس وفصائل أخرى، لا يزال محتدما على الأرض.

- "أمانة عليكم" -

أضافت جمانة أن الجيش أبلغ السكان "أن الجنوب آمن، كانوا يلقون علينا المناشير يوميا يطالبونا بمغادرة بيوتنا"، متابعة "الآن قتلوا ابني محمد (الذي) كان حنونا، هو ابني وأخي وحبيبي. كنت أشكي له همومي".

الى جانبها، صرخت ابنتها جوان بأعلى صوتها مستنجدة بالله "يا رب... ارمِ الصبر على قلبي يا الله"، قبل أن تضيف "أخي لم يفعل شيئا، ذهب لينقذ الناس، هو ليس (منتسبا الى) أي تنظيم".

وتابعت بلهجة متوسلة مكسورة "أمانة عليكم... أمانة عليكم أن توقفوا الحرب"، لتسأل من دون أن توقف النحيب "أي صواريخ هذه وأي سلاح هذا الذي يستخدمونه؟... حرام...".

وشنت حركة حماس هجوما غير مسبوق على جنوب إسرائيل في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، أسفر عن سقوط نحو 1200 قتيل، غالبيتهم من المدنيين، بحسب السلطات الإسرائيلية.

وتوعّدت إسرائيل بـ"القضاء" على حماس، وأوقع القصف المكثف على غزة والذي ترافق اعتبارا من 27 تشرين الأول/أكتوبر مع عمليات برية واسعة داخل القطاع، أكثر من 15 ألف قتيل، معظمهم مدنيون وبينهم أكثر من ستة آلاف طفل، وفق حكومة حماس.

وبعد أكثر من سبعة أسابيع من قصف إسرائيلي مدمّر، سرت هدنة حيز التنفيذ، لكن انتهت مفاعيلها صباح الجمعة من دون اتفاق على تمديدها.

- "الله يرحمك يابا" -

غير بعيد من العائلات الثكلى، كان أفراد طاقم المستشفى يخرجون الجثامين واحدا تلو الآخر وقد لفّت بأكفان أو أكياس بيضاء اللوم، لدفنهم بسرعة بسبب اكتظاظ الجثث وانقطاع الكهرباء التي تؤثر على ثلاجات المشرحة.

أمام المستشفى، تجمّع رجال لإقامة مراسم تشييع لأحبائهم، وقد نمت لحاهم وبدا عليهم الحزن والوجوم.

صفت ثلاثة جثامين جنبا الى جنب، وجاء الرجال بعربة صغيرة عليها جثامين رضّع، وحمل أحدها أب يغالب دموعه ووضع بهدوء الجثمان الذي لفّ بالقماش بجانب جثمان رجل لفّ أيضا بدوره بالأبيض. 

واصطف قرب الجثمانَين عدد من الأشخاص الذين بدا عليهم الاعياء والتعب، وأدوا صلاة الجناة على الرضيع والرجل.

وعند درج المستشفى حيث وضعت ثلاثة جثامين، انحنى رجل وكشف وجهه والده المغطى بالدم وقبّله قائلا "الله يرحمك يابا"، فيما جلس شقيقه القرفصاء بجانبه يبكي بصمت وهو يمسد رأسه.

وبجانب جثمان آخر انحنت امرأة ارتدت الأسود لتكشف وجه ميت يخصّها وتبكي، من دون أن تقوى على الوقوف بمفردها عندما حمل رجال الجثمان لتشييعه، فقامت نسوة ورجال آخرون بمساعدتها.

وكتبت أسماء القتلى على الأكفان البيضاء، بينما قام رجال بوضعهم على حمالات طبية ووضعهم في سيارات مدنية لنقلهم الى المقبرة، في حين كان آخرون يتجهزون لوداع قتلى آخرين.

يح/سبح/ماب/كام

Agence France-Presse ©