الأوروبّيون يتّفقون على "الهجرة"... وانتصار لليمين الحازم في فرنسا

5 دقائق للقراءة
لوبن خلال مشاركتها في جلسة للبرلمان في باريس أمس (أ ف ب)

بعدما خلّفت فكرة «المجتمعات المتعدّدة الثقافات» وسياسة «الحدود المفتوحة» توترات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية من باريس إلى دبلن، وبعد مناقشات دامت سنوات طويلة ومفاوضات في اللحظة الأخيرة، توصّل النواب الأوروبّيون والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أمس إلى اتفاق حول مسألة إصلاح نظام الهجرة التي تتصدّر النقاش السياسي في عدّة بلدان أوروبّية قبل الانتخابات الأوروبّية المقرّر تنظيمها في حزيران المقبل.

وفي هذا الصدد، اعتبرت رئيسة المفوضية الأوروبّية أورسولا فون دير لايين أن الميثاق الجديد يُشكّل «اتفاقاً تاريخيّاً». ورأت رئيسة البرلمان الأوروبي روبيرتا ميتسولا أن الميثاق على الأرجح «أهمّ اتفاق تشريعي» في ولايتها. وأكد رئيس مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي أن الاتفاق «خطوة إيجابية بدرجة كبيرة»، داعياً إلى تنفيذه، فيما أشار إلى أن المفوضية الأممية «مستعدّة لتقديم المشورة وتوفير الدعم».

ولقى الاتفاق إشادات من ألمانيا وفرنسا وإسبانيا واليونان وهولندا، فضلاً عن إيطاليا التي اعتبرت أنه يجعل البلدان التي هي في الخطوط الأمامية في مواجهة تدفّقات المهاجرين «تشعر بأنها ليست وحيدة». وجاء الاتفاق بعد إقرار البرلمان الفرنسي الثلثاء قانوناً حول الهجرة أغضب الجناح اليساري المتطرّف في البلاد وأزعج الوجوه اليسارية في معسكر الرئيس إيمانويل ماكرون.

ودحضت المجر المعارضة لتدابير التضامن المنصوص عليها في الاتفاق «بشدّة» الميثاق الجديد للهجرة واللجوء الذي لا يتطلّب اعتماده سوى غالبية مؤهلة. وينصّ الإصلاح الذي يتضمّن سلسلة من 5 نصوص والذي ما زال ينبغي أن يحصل رسميّاً على موافقة المجلس والبرلمان الأوروبيَّين، على مراقبة معزّزة لعمليات وفود المهاجرين إلى الاتحاد وإقامة مراكز مغلقة بالقرب من الحدود لإعادة الذين تُرفض طلباتهم للجوء بسرعة أكبر.

وبينما يُبقي الإصلاح على القاعدة المعمول بها حاليّاً ومفادها أن أوّل بلد يدخله طالب اللجوء في الاتحاد هو الذي يتولّى متابعة ملفّه مع بعض التعديلات، سيُعتمد نظام تضامن إلزامي في حال اشتدّت الضغوط على البلدان التي تصل إليها أعداد كبيرة من المهاجرين، إذ ينبغي للدول الأعضاء الأخرى تقديم المساعدة، إمّا من خلال تولّي طلبات اللجوء عبر نقل أصحاب الطلبات إلى أراضيها وإمّا من خلال تقديم دعم عيني أو مالي.

ومن النصوص الأخرى التي جرى التوافق عليها، تسوية في شأن حالات الأزمات والقوّة القاهرة بغية تنظيم الردّ في وجه تدفّق كثيف للمهاجرين إلى دولة في الاتحاد، كما حصل خلال أزمة اللجوء عامي 2015 و2016. وينصّ الميثاق في هذا السياق على مبدأ التضامن الإلزامي بين الدول الأعضاء واعتماد نظام استثنائي أقلّ حماية لطالبي اللجوء من الإجراءات الاعتيادية، مع احتمال تمديد فترة الاستبقاء عند الحدود الخارجية للتكتّل الأوروبي.

وينصّ الاتفاق أيضاً على «فرز» المهاجرين عند وصولهم وعلى مسار معجّل عبر «آلية على الحدود» للمهاجرين الوافدين من بلدان تقلّ نسبة منح حقّ اللجوء لمواطنيها عن متوسط 20 في المئة في الاتحاد، فيسمح بإعادتهم في أسرع وقت إلى بلد الأصل أو العبور. وشدّد المجلس الأوروبي على أن يشمل هذا الإجراء أيضاً العائلات مع أطفال دون 12 عاماً، ما يقتضي وضع هؤلاء في مراكز احتجاز بالقرب من الحدود أو المطارات.

ويأتي ذلك بينما يشهد الاتحاد راهناً ارتفاعاً في حالات الوصول غير النظامية إلى أراضيه، فضلاً عن ازدياد طلبات اللجوء، إذ خلال الأشهر الـ11 الأولى من هذا العام رصدت وكالة «فرونتكس» أكثر من 355 ألف محاولة عبور للحدود الخارجية للاتحاد، في ارتفاع نسبته 17 في المئة. وقد تتخطّى طلبات اللجوء مليون طلب بحلول نهاية هذا العام، بحسب وكالة اللجوء التابعة للاتحاد.

إلى ذلك، وجّهت نحو 50 منظمة غير حكومية، من بينها «العفو الدولية» و»أوكسفام» و»كاريتاس» و»أنقذوا الأطفال»، رسالة مفتوحة إلى المفاوضين لتحذيرهم من تحوّل هذا الميثاق إلى «نظام سيّئ التصميم ومكلف وقاسٍ». وندّد النائب الأوروبي الفرنسي اليساري المتطرّف داميان كاريم من «حزب الخضر» بالاتفاق، مدعياً أنه سيجري بموجبه تمويل «جدران وأسلاك شائكة وأنظمة حماية في كلّ أنحاء أوروبا».

وفي فرنسا، وبعد أشهر من فصول تشريعية سادها التوتر، وافق البرلمان مساء الثلثاء بشكل نهائي على قانون الهجرة، ما أدّى إلى تشديد شروط استقبال الأجانب في البلاد، الأمر الذي رحّب به اليمين واليمين الحازم بزعامة مارين لوبن التي ترى في ذلك «انتصاراً ايديولوجيّاً».

وأكد المتحدّث باسم الحكومة الفرنسية أمس أن وزير الصحة أوريليان روسو قدّم استقالته وتمّ استبداله موَقتاً بالوزيرة المنتدبة الحالية المكلّفة بالمهن الصحية أنييس فيرمان لو بودو. وأتت استقالة روسو على خلفية معارضته قانون الهجرة، لكن المتحدّث شدّد في إيجاز صحافي بعد اجتماع للحكومة أن «لا حركة تمرّد وزارية».