كشفت الحربُ في أوكرانيا عن طاقات بشرية وتكنولوجية كبيرة لدى قناة "الجزيرة"، متخصّصة بمواكبة الأسلحة والأحداث الميدانية العسكرية والأمنية. وقد برزت، بالتزامن مع ذاك الكشف، مجموعةٌ من الصحافيين الشباب قدّمت مادة إعلاميّة وبحثية، مستخدمة التقنيّات البصرية المتقدّمة المتوافرة لدى القناة. والأهم من ذلك أن تلك المجموعة ومنتجها الإعلامي كانا بعيدين، إلى حدّ بعيد، من الانحياز.
لكن، على الرغم من اهتمام "الجزيرة" بهذا التوجّه إلا أنّها أبقته، مع منتجاته المتنوّعة بين التقارير المعدّة والعرض المباشر، في الدرجة الثانية. ولم يحصل هذا التأطير أو التحجيم لمصلحة الأخبار وفقراتها وتقاريرها، أو لمصلحة منتج إعلامي إعدادي آخر، إنّما حصل في "حرب إسرائيل على غزة" من أجل منح الهواء لكلام ارتجالي جماهيري.
فمنذ الأيام الأولى للحرب، اختارت القناة القطرية اللواء فايز الدويري محلّلاً عسكرياً واستراتيجيّاً دائماً في استديواتها. وإذ إن الحدثَ ميدانيٌّ بالدرجة الأولى كثرت إطلالاته، وتقدّمت على المنتج المتنوّع لمجموعة الصحافيين المواكبة للأسلحة والأحداث الميدانية. وكذلك تقدّمت على إطلالات المحللين والمتخصّصين في الشؤون السياسية والدولية، بمن في ذلك الذين اعتمدتهم "الجزيرة" ضيوفاً دائمين في استديواتها وعلى شاشتها، وفي مقدّمهم خليل العناني ومهنّد مصطفى.
هكذا، بات اللواء فايز الدويري نجم "الجزيرة" وتغطيتها المستمرّة.
وليست كثرة الإطلالات ما جعله كذلك. ما فعل فعله هنا هو مبالغته في الانحياز للمقاومة الفلسطينية ومقاتليها. ولم يكن ذلك ليحصل لو لم يكن هناك ضوء أخضر أو عدم ممانعة ومعارضة من جانب القناة القطرية. فما لا تقوله "الجزيرة"، أو تحاول دوزنته في خطابها السياسي ومنتجها الإخباري، يقوله الدويري ويرفع صوته ويتحمّل شخصيّاً مسؤوليّته. وبذلك، يمكن القناة أن تعتقد أنّها لا تخرق بمنتجها الخاص معايير "الموضوعية" الإعلامية، وأن ما يقوله الدويري هو رأي خاص لضيف وإن كان محلّلاً "خاصّاً" بالقناة.
مشكلة هذا ليست في إعلان الدويري انحيازه ورأيه، إنما في تغليب هذا الجانب حتّى على الجانب العسكري والاستراتيجي الذي يقدّمه كمحلّل.
والمشكلة، بالنسبة إلى "الجزيرة"، أنها بدلاً من أن تواكب الحدث بمنتج إعلامي إعدادي تُكثر من إطلالات الارتجال الجماهيري. ولا تكتفي بالدويري، إنما تمنح الهواء والوقت لزملاء له لا يترددون في المبالغة بالخطاب الحماسي.
وهذا ما لا بد من دوزنته، من خلال إعادة الاعتبار للمنتج الإعلامي الإعدادي، ومن خلال إعادة أداء الدويري إلى سكة المحلّل العسكري والاستراتيجي، بعيداً من الخطاب الحماسي والجماهيرية وإغراءاتهما ومخاطرهما.