يروي برادلي كوبر في فيلم Maestro قصة موسيقي مميّز بأكثر الأساليب تقليدية، فيستعمل حبكات مألوفة وخطاً سردياً مباشراً يرتكز على سيرة ذاتية نموذجية. هو مخرج الفيلم وبطله، فيجسّد شخصية الملحن والمايسترو الأسطوري ليونارد بيرنشتاين. نجح كوبر في تقديم فيلم مبهر من الناحية التقنية لكنه مخيّب للآمال على المستوى العاطفي. هو شارك في كتابة السيناريو مع جوش سينغر، ويتبع مساراً مدروساً لعرض مختلف فصول القصة. لكنه يقع في النهاية في الفخ الذي يشوب عدداً كبيراً من السِيَر: من خلال تغطية جزء كبير من حياة شخصية مشهورة، يبدو العمل النهائي سطحياً أكثر من اللزوم.
مع ذلك، يستحق الفيلم المشاهدة لأنه مبهر من الناحية الجمالية. تتّسم الأزياء وتصاميم الإنتاج وتفاصيل التصوير السينمائي بالدقة وتنجح في إثارة الحنين إلى الماضي. تتطور هذه العناصر مع تقدّم الزمن، إذ تمتد الأحداث على أكثر من أربعين سنة من حياة بيرنشتاين. يحرص كوبر وراء الكاميرات على تقديم صورة توحي بأن الفيلم صُنِع خلال الأربعينات فعلاً، وهو يتمسك بالأسلوب نفسه مع كل حقبة جديدة. يعرض مدير التصوير ماثيو ليباتيك، الذي ترشّح لجائزة أوسكار عن أول فيلم أخرجه كوبر، A Star Is Born (ولادة نجمة)، لقطات متباينة بالأبيض والأسود، ويقدّم جواً مبهراً مع أن المشهد يقتصر أحياناً على مصباح وسط مسرح قاحل. في أحد المشاهد، تنزل كاري موليغان، التي تؤدي دور «فيليشا مونيليغر» وتصبح زوجة بيرنشتاين في مرحلة معيّنة، من حافلة ليلاً وتقطع الشارع للتوجه إلى حفلة ستقابله فيها للمرة الأولى. يتّسم هذا المشهد بأجواء سينمائية خاطفة للأنفاس. تتميز المشاهد الملوّنة ببريقها الخاص أيضاً وتعكس أجواء الستينات والسبعينات على أكمل وجه. كذلك، تنقل مديرة المونتاج ميشيل تيسورو القصة إلى تلك الأماكن وذلك الزمن الغابر بأسلوب مشوّق وحيوي.
من الواضح أن كوبر حرص على عرض أدق التفاصيل، بغض النظر عن أهميتها. هو أمضى ست سنوات مثلاً لتعلّم كيفية تقديم مشهد محوري ومميز بطريقة مثالية ومتقنة. يتعلق هذا المشهد بإعادة إحياء عرض بيرنشتاين وهو يقود أوركسترا لندن السيمفونية في كاتدرائية إيلي، في المملكة المتحدة، في العام 1973، وهو مشهد يمتد لأكثر من ست دقائق متواصلة. (كان يانيك نيزيت سيغان مستشار كوبر الأساسي في المجال الموسيقي). في تلك اللقطة، تمرّ الكاميرا بكل سلاسة حول أعضاء الأوركسترا والجوقة والعازفين المنفردين، فتنساب الموسيقى داخل جسم بيرنشتاين وتنفجر موهبته في ذلك المبنى المهيب. يبدو بيرنشتاين في ذلك المشهد رجلاً شغوفاً وحماسياً إلى حد التعرّق، فهو يبلغ ذروة سعادته في تلك اللحظات. من الأفضل مشاهدة الفيلم كله في دور السينما قبل عرضه على شبكة «نتفلكس» بدءاً من 20 كانون الأول، إذ يستحق هذا المشهد الطويل والمؤثر مشاهدته بأفضل صوت وصورة.
قد تُعرَض موسيقى بيرنشتاين بشكل دقيق على مر الفيلم، لكننا لن نفهم شخصيته بعمق كموسيقي أو إنسان في أي لحظة. هو أسطورة في مجاله، وقد تحوّل إلى قوة ثقافية هائلة في الولايات المتحدة خلال منتصف القرن، ويتجاوز تأثيره أوساطه الضيقة في عالم الموسيقى الكلاسيكية. لكنّ طبيعة حياة بيرنشتاين كرجل مثلي لم يكشف عن ميوله الحقيقية علناً تبقيه بعيداً عن المشاهدين. لطالما أدرك هذا الموسيقي أنه شخص مشهور لامع، ما جعله حذراً طوال الوقت. سنشاهد لمحات بسيطة من سعادته مع مجموعة متنوعة من الرجال، منهم مات بومير، عازف كلارينيت كان حبيبه سابقاً، فيعيش معه وداعاً مؤثراً على أحد أرصفة مانهاتن. لكن تبقى تفاصيل شخصيته غير مكتملة حتى النهاية.
كانت علاقة «ليني» مع «فيليشا» معقدة، لكن نادراً ما يتعمق الفيلم في هذا الجانب. يتقاسم الممثلان كيمياء حيوية ومُعدِية حين يتقابلان ويقعان في الحب، ويختار كوبر المخرج أسلوب اللقطات الفردية الطويلة لعرض هذا النوع من المشاهد ثم مشاجرات الثنائي لاحقاً. تبدو العاطفة التي تجمعهما صادقة، وتقدم موليفان عموماً أداءً مدهشاً، فتجسّد شخصية «فيليشا» بطريقة تجعلها أعمق من مجرّد امرأة تدعم الرجل في حياتها. مع ذلك، تبقى هذه الممثلة في ظل بيرنشتاين. لن نعرف مشاعر «فيليشا» الحقيقية حين تضطر لمشاركة زوجها مع مجموعة رجال متزلفين وأصغر سناً.
استغل بيرنشتاين الفرص المتاحة أمامه لتطوير عمله، وهذا ما جعله شخصية عظيمة. كان الفيلم ليزداد قوة لو أنه قام بالمثل.