ثقافة غير متوقعة بَنَت أقدم المستوطنات في العالم

3 دقائق للقراءة

قبل آلاف السنين على تعلّم الزارعة وسط الشعـــــــوب القديمة في أوراسيا الوسطى، كانت جماعات من الصيادين وجامعي الثمار في جنوب القطب الشمالي تبني عدداً من أولى المستوطنات الدائمة والمحصّنة. تتعارض هذه المعلومة مع الفكرة القائلة إن الزراعة كانت شرطاً مسبقاً لاستقرار المجتمعات.



يظن الباحثون الآن أنهم قاموا بتأريخ أول التحصينات المعروفة في الشمال الجليدي، أو حتى في العالم أجمع، بالقرب من نهر «أمنيا» في غرب سيبيريا. بدأ العلماء يستكشفون المواقع الأثرية رسمياً هناك بدءاً من العام 1987، لكن تكشف تقنية التأريخ بالكربون المُشِع حديثاً أن الحفرة الأساسية في موقع «أمنيا» الأول وتحصيناتها تعود إلى 8 آلاف سنة تقريباً.

أصبح المبنى القديم اليوم مجرّد حفرة واسعة في الأرض، لكنه كان خندقاً يحتاج إلى الحماية سابقاً. تكشف بيانات التأريخ بالكربون المُشِع أنه بُنِي في القرن الأخير من الألفية السابعة قبل الميلاد.

وفي الألفية السادسة قبل الميلاد، بُنِي خندقان آخران في الجهة الخلفية من الموقع. إلى جانب عدد من المباني والضفاف والأسوار الإضافية، تعكس هذه الخصائص فترة كان فيها الموقع يخضع لاحتلال دائم.

بُني موقع «أمنيا» الثاني أيضاً على بُعد 50 متراً باتجاه الشرق هذه المرة. وفق فريق دولي من علماء الآثار، بقيادة باحثين من جامعة برلين الحرّة، يتحدى هذان الموقعان المفهوم التقليدي المرتبط بقدرات الصيادين وجامعي الثمار. من الواضح أن المزارعين في العصر الحجري ما كانوا الجماعة الوحيدة التي بَنَت مستوطنات دائمة ومحصّنة.

تقول عالِمة الآثار تانجا شرايبر من معهد آثار ما قبل التاريخ في برلين: «تكشف تحليلاتنا النباتية والطبقية الجديدة أن سكان غرب سيبيريا عاشوا حياة متطورة ترتكز على موارد وافرة في بيئة مليئة بغابات التايغا».

تقليدياً، افترض علماء الآثار أن المجتمعات المبنية على جمع المؤن لم تكن «متطورة» بما يكفي من الناحية الاجتماعية أو السياسية كي تبني هياكل ضخمة ودائمة تحتاج إلى الصيانة أو الدفاع عنها. لكن تكشف الأبحاث المستمرة في منطقة «أمنيا» ومواقع أثرية أخرى حول العالم أن الدوافع الكامنة وراء هذا النوع من النشاطات لا تقتصر على زرع المحاصيل وتربية الحيوانات.

ربما أدى تطوير استراتيجيات للصيد والقنص أو أساليب تخزين الأغذية إلى جمع فائض من المأكولات التي تحتاج إلى من يدافع عنها. أو ربما ازدهرت ثقافة المداهمة بسبب تجمّع أعداد متنوعة من الصيادين وجامعي الثمار في منطقة واحدة.

يوضح الباحثون: «أدت إدارة تلك الفوائض لاحقاً إلى تغيير البنية الاجتماعية والسياسية للشعوب وظهور اللامساواة في الثروات وحقوق الملكية الحصرية، فضلاً عن زيادة تماسك المجتمع عبر العمل الجماعي لبناء المواقع الأثرية مثلاً».

لا تزال الأبحاث المرتبطة بموقع «أمنيا» مستمرة في الوقت الراهن، ويحرص علماء الآثار على إبقاء جميع الاحتمالات واردة. نتيجةً لذلك، قد يحتاج المفهوم التقليدي المستمر في نصوص أكاديمية كثيرة عن الصيادين وجامعي الثمار إلى مراجعة جدّية قريباً.