جان ماري غينوا

إضطهاد المسيحيين يتصاعد حول العالم

20 كانون الثاني 2024

المصدر: Le Figaro

02 : 00

مسيحيون باكستانيون يتظاهرون للتنديد بالهجمات على الكنائس في جارانوالا | باكستان، ١٧ آب ٢٠٢٣

على غرار كلّ سنة، نشرت المنظمة البروتستانتية الإنجيلية Portes Ouvertes مؤشّرها العالمي حول اضطهاد المسيحيين يوم الثلثاء الماضي، فطرحت معطيات مقلقة جدّاً في شأن هذا التهديد الذي تابع المسيحيون التعرّض له في العام 2023.

تبقى الهند البلد الذي يُسجّل أكبر عدد من المسيحيين المعتقلين بسبب معتقدهم الديني، إذ يقبع 2332 مؤمناً في السجن راهناً، ما يساوي أكثر من نصف المسيحيين المحتجزين حول العالم (عددهم الإجمالي 4125). ينجم هذا الوضع عن تشريع يهدف إلى حماية إيمان الهندوس في بلدٍ يُعتبر فيه تغيير الدين «خطراً قوميّاً».

في غضون ذلك، تُعتبر نيجيريا البلد الأكثر قتلاً للمسيحيين، فهي تُسجّل 4118 جريمة قتل من أصل 4998 عملية اغتيال حول العالم. في الوقت نفسه، تعرّض 3300 مسيحي للخطف هناك في السنة الماضية من أصل 3906 عمليات في أنحاء العالم.


أمّا الصين، فهي على رأس البلدان التي تستهدف الكنائس (قرارات إدارية بإغلاقها، مهاجمة المباني...). قرّر البلد متابعة إغلاق 10 آلاف مكان للعبادة بعد إقفال أبوابها موَقتاً لمكافحة جائحة «كوفيد 19». في هذا السياق، تُسجّل الهند الرقم القياسي على مستوى عدد الكنائس التي تتعرّض للاعتداءات، إذ يبلغ عدد أعمال العنف فيها 2228. تحتلّ نيجيريا المرتبة الثالثة، فقد اعتُدي فيها على 750 مكاناً للعبادة المسيحية. في المحصّلة، أصبحت 14776 كنيسة مستهدفة خلال العام 2023 في كلّ أنحاء العالم. اقتصر هذا العدد على 2110 في العام 2022.



منذ العام 1993، تُراقب منظمة Portes Ouvertes هذه الممارسات المتزايدة، فأصبح مؤشّرها مرجعاً جديراً بالثقة على مرّ السنين. للتبشير بالإنجيل، ينتشر المسيحيون الإنجيليون في البلدان التي تتعرّض فيها الجماعات المسيحية للاضطهاد، أو في الأماكن التي أصبحت فيها الكنائس التقليدية (الكاثوليكية والبروتستانتية) مُمَثّلة بطريقة رمزية أو خاضعة بالكامل لسيطرة السلطات المحلّية. يذكر مسؤولون من المنظمة: «بفضل شبكة من الشركاء، يُمكننا أن نحصل على معلومات مفصّلة ودقيقة، وصولاً إلى عمق القرى، فنرصد في معظم الأوقات مظاهر اضطهاد لا تتداولها وسائل الإعلام».


كنيسة بعد تعرّضها للاعتداء في ولاية مانيبور الهندية - أيار 2023






إقصاء من الحياة السياسية والاجتماعيةرصدت المنظمة في تقريرها السنوي نوعَين من الاضطهادات: أعمال عنف جسدية ومادية مفاجئة ووحشية، ومظاهر تمييز أقلّ وضوحاً، منها مواقف رافضة، وقمع ضمني، وحرمان من الحقوق، وتهميش.

في المحصلة، تشير تقديرات مؤشّر العام 2023 إلى تعرّض 365 مليون مسيحي لمظاهر فائقة من الاضطهاد والتمييز في 78 بلداً. كان هذا الرقم يبلغ 360 مليوناً في العام 2022. لهذا السبب، يُعبّر المسؤولون في المنظمة عن قلقهم من «تسارع حملات الاضطهاد المتوسّعة ضدّ المسيحيين مجدداً»، علماً أن هذه المشكلة بدأت تتفاقم منذ 5 سنوات وترافقت مع سلسلة متلاحقة من أعمال العنف الواضحة في 30 بلداً.

تطرّق البابا فرنسيس إلى هذه الظروف والأرقام أثناء مخاطبته لوفد ديبلوماسي في 8 كانون الثاني، فقال: «أصبحت حملات الاضطهاد والتمييز المتزايدة بحق المسيحيين مقلقة جدّاً، ولا سيّما في العقد الأخير. غالباً ما يحصل هذا الاضطهاد بطريقة غير دموية، لكنّه مؤثر من الناحية الاجتماعية، فيترافق مع مظاهر التهميش البطيء والإقصاء من الحياة السياسية والاجتماعية وبعض المِهَن. تقع هذه الأحداث أيضاً في بلدان تُعتبر مسيحية تقليديّاً. نتيجةً لذلك، يتعرّض أكثر من 360 مليون مسيحي في العالم لمستوى هائل من الاضطهاد والتمييز بسبب إيمانهم، ويضطرّ عدد متزايد منهم للهرب من بلدهم الأمّ».

في السياق نفسه، تحتلّ كوريا الشمالية المرتبة الأولى منذ أكثر من 20 سنة: يفتقر المسيحيون هناك إلى أي مساحة حرّية، فيضطرّون إلى عيش إيمانهم سرّاً. في العام 2023، تمّ الإبلاغ عن 5 مسيحيين حين كانوا مجتمعين للصلاة في مزرعة معزولة. هم مُهدّدون الآن بعقوبة الأشغال الشاقة لسنوات طويلة.

على صعيد آخر، تُحذّر نسخة العام 2024 من هذا المؤشّر من ثلاث «نزعات ثقيلة ومثيرة للقلق». تتعلّق النزعة الأولى ببلوغ الاعتداءات ضدّ الكنائس ذروتها في الصين، وحتّى في الهند، حيث شهدت أعمال الشغب في مدينة «مانيبور» مهاجمة 400 مكان عبادة ومقتل عشرات المسيحيين في شهر أيار الماضي.

تكاثر المتطرّفين الإسلاميين


تتّضح النزعة الثانية في أفريقيا جنوب الصحراء التي أصبحت رهينة للتطرّف الإسلامي. بدأت جماعات تابعة لتنظيم «الدولة الإسلامية» و»القاعدة» تتكاثر في 26 بلداً. كذلك، أصبحت أفريقيا جنوب الصحراء منذ سنوات المنطقة التي تشهد مقتل أكبر عدد من المسيحيين لأسباب مرتبطة بإيمانهم. يستغلّ المتطرّفون الإسلاميون انعدام الاستقرار السياسي ويستفيدون من نقاط ضعف نظام الحُكم أو هشاشة الوضع الأمني لتطوير نشاطاتهم الجهادية واستهداف المسيحيين. هذا ما يحصل مثلاً في الصومال، ونيجيريا، ومالي، وبوركينا فاسو، وموزمبيق.

أمّا النزعة الأخيرة، فهي تظهر في المغرب العربي والشرق الأوسط ويُمكن اختصارها بالسؤال التالي: هل ما زال المسيحيون في أرضهم الأصلية؟ قد يتعرّض كلّ من يُغيّر دينه الإسلامي لأسوأ الاضطهادات بشكل عام، لكن يشعر المسيحيون التاريخيّون أيضاً بأنهم بدؤوا يخسرون الترحيب والقبول في الأوساط المحيطة بهم مع مرور الوقت. أصبحت هذه الظاهرة حسّاسة جدّاً في سوريا، حيث أطلقت جماعة «هيئة تحرير الشام» وعناصر من «الدولة الإسلامية» اعتداءات جديدة ضدّ المسيحيين، بعد الزلزال الذي شهده البلد في شباط 2023 مباشرةً، فخطفوا عدداً من المسؤولين الكنسيين، أو دمّروا الكنائس، أو احتلّوها.

يتعرّض المسيحيون السوريون للاستهداف أيضاً في شمال البلد، وتحديداً في منطقة عفرين، على يد مقاتلين مدعومين من تركيا. هذا ما دفعهم إلى إطلاق موجة جديدة من الهجرة لأنّ عدداً كبيراً منهم خسر ثقته بالمواطنين المسلمين. تبرز مصاعب مشابهة في كردستان العراق، حيث يقع المسيحيون ضحية العمليات العسكرية التركية والمناخ غير المتسامح. تنتشر أيضاً مظاهر اضطهاد مماثلة في ليبيا، حيث يُعتقَل المسيحيون الجُدد الذين تخلّوا عن الدين الإسلامي ويلقى المهاجرون المسيحيون معاملة سيّئة عند اكتشاف دينهم.

الجزائر تقفل 42 كنيسةيُشير المؤشّر العالمي لاضطهاد المسيحيين إلى تصاعد أعمال العنف ضدّ المسيحيين في الجزائر ولاوس أكثر من أي بلدان أخرى خلال العام 2023. يتطرّق تقرير جديد إلى «نهاية الحلم» بنشوء بلدٍ اعتُبِر لفترة طويلة استثنائيّاً في منطقة المغرب العربي، نظراً إلى كنائسه الكبيرة التي تشهد تجمّع مسيحيين غيّروا دينهم الإسلامي بلا مشكلة. بلغت حملة إغلاق الكنائس التي بدأت في الجزائر، في العام 2017، ذروتها في الفترة الأخيرة، إذ لم تبقَ إلّا 4 كنائس مفتوحة من أصل 46. كذلك، أغلقت كنائس مستقلّة أخرى أبوابها بضغطٍ من السلطات. تتّضح مظاهر القمع أيضاً عبر إدانة حوالى 20 مسيحيّاً والحُكم عليهم بالسجن بتُهمة التبشير أو المشاركة في احتفالات دينية غير مصرّح بها. يقول واحد من هؤلاء المسيحيين المُدانين إنّ الدولة وجدت الوسائل التي تسمح لها بفرض قوانين تُصعّب حياة المسيحيين. انتهى عصر الحرّية الذي كان يسمح لهم بالتجمّع لممارسة شعائرهم الدينية، وقد يضطرّ الكثيرون في السنوات المقبلة للتجمّع سرّاً.

نيكاراغوا... بلد مُعادٍ للمسيحيين صراحةً

في نيكاراغوا، تقمع حكومة دانييل أورتيغا علناً الحرّية الدينية ولا تخفي عدائيّتها تجاه الكنيسة، ولا سيّما منذ أن دعا مسؤولون مسيحيون إلى احترام دولة القانون. سرعان ما خسرت الجامعات المسيحية شرعيّتها القانونية، واستولت الحكومة على وسائل إعلام مسيحية أيضاً. كذلك، عجزت بعض الأبرشيات والكنائس عن استعمال حساباتها المصرفية بعد حظرها، وبات الاحتفال ببعض المناسبات المسيحية ممنوعاً. ولا ننسى أن 347 كنيسة هناك تعرّضت للاعتداءات في العام 2023. نتيجةً لذلك، قرّر الفاتيكان إغلاق مكتبه التمثيلي الديبلوماسي في نيكاراغو في 18 آذار الماضي. مع ذلك، أقدم النظام على اعتقال 15 كاهناً وطالبَي لاهوت، لكنّ رُحّلت هذه المجموعة من رجال الدين الكاثوليك من البلد في 14 كانون الثاني واستقبلهم الفاتيكان.



تظاهرة سلمية ضدّ الإضطهاد الذي يتعرّض له المسيحيون في نيكاراغوا