لبنان موجود منذ الأزل وباقٍ إلى الأبد. هذا هو الواقع التاريخي، وهذه نتيجته الحتميّة. ولا يحاولنّ أحد تزوير التاريخ لتغيير هذه النتيجة. يخوض اللبنانيّون اليوم حربين بالتّوازي، حرباً كيانيّة بعضهم ببعض، وحرباً إقتصادية هي نتيجة أيضاً من نتائج الأولى. وسط هاتين الحربين، يترنّح اللبنانيّون ويُكافحون للصمود بهدف البقاء. فهل من خريطة طريق للصمود؟ وهل هنالك من مقوّمات للبقاء في هذا البلد؟ أم أنّ الخيارات التي اتّخذها اللبنانيّون على مرّ التاريخ ستؤدّي إلى زوال هويّتهم الكيانيّة؟
أمام هذا الواقع، تبرز ضرورة العودة إلى التاريخ لاستشراف المُستقبل، لأنّها أضحت ضرورة وجودية لهذا الوطن قبل غيره. لكنّ الثابت الوحيد هو الواقع الجغرافي الذي فرض تأثّراً وتأثيراً جيوبوليتيكيين، حتّى صرنا أمام واقع ديموغرافي وسياسي واجتماعي واقتصادي قد يُطيح بجوهر تكوين لبنان. هذا الوطن الذي شكّلته أقليّات دينية على أسس طائفية – مذهبية، تفاعلت مع الإمتداد الغربي نتيجة للواجهة البحرية التي تحدّ لبنان من الغرب، مع عدم إغفال التفاعل مع الشرق العربي. لكنّ طبيعة الفكر التجاري الموروث فينيقياً شكّلت أساس تكوين الهوية الكيانية. وهذا الواقع الجغرافي لن يستطيع أحد تبديله، من زمن المدن الفينيقية إلى اليوم، وحتّى إلى المستقبل.
وهنا برز الدور المسيحي في السياسة والإقتصاد والعلم والثقافة والحوار والأناقة والفنّ، والتلاقي مع الغرب؛ ما سمح بتثبيت الهوية الكيانية اللبنانية. ويوم فرض المسيحيون مع البطريرك الياس الحويّك لبنان الكبير، ثبتوا أكثر في هذه البقعة الجغرافية حتّى صاروا المُتحكّمين بواقعها السياسي. لكنّ اندفاعهم عبر التاريخ ليتخلّوا عن مسيحيتهم لصالح لبنانيتهم، في حين لم يتخلَّ أحد بعد عن هويته الطائفية، جعلهم اليوم أقلّية معزولة ضمن الأقلّيات، حتّى صاروا في خطر وجودي.
ونتيجة لسوء الإدارة ولتفشّي الفساد السياسي، وسوء الخيارات الإستراتيجيّة داخلياً وخارجياً لدى بعضهم، صارت كيانيتهم في خطر، لا سيّما مع تعاظم دور غيرهم ممّن اعتبر نفسه عبر التاريخ من المحرومين في المشاركة بصناعة القرار اللبناني، وأكثر من مثّل هذا الدور هو "حزب الله" الذي استغلّ ربط أهل بيته ببُعد أيديولوجي، بعيداً من أيديولوجيّة الكيانيّة اللبنانية القائمة على التعدّدية والإنفتاح على الغرب.
من هنا، نستطيع القول إنّ الوجود المسيحي هو الذي طبع الكيانية اللبنانية بحريّة الفكر والثقافة والإنتماء الحضاري الواعي، ولم يبخلوا عبر التاريخ في الدفاع عن كيانيتهم، فحملوا السلاح للدفاع عن وطن عاشوا فيه على مرّ العصور، حتّى صار بقاؤهم يعني بقاء الوطن. كما ارتبط وجودهم المبني على أسس الحرية أساساً بوجود الديموقراطية والإنفتاح، والحرية السياسية، والفردية والإقتصادية. فالحرّية إذا هي علّة وجودهم. لذلك، كلّما تمّت الإساءة إلى الحرّية يُساء إليهم بطريقة مباشرة.
وقاوم المسيحيون على مرّ التاريخ أيّ مشروع لتذويب كيانيّتهم، من الوحدة العربية مع سوريا الطبيعية، إلى المشروع الناصري وغيرهما من المشاريع الوحدويّة التي تُلغيهم. أمّا الخطر الكياني اليوم فهو من المسيحيين أنفسهم، الذين اختاروا أن يلتحقوا بحلف الأقليّات، الذي جعلهم مُلحقين فيما كانوا طليعيين، وذلك مقابل مكاسب زمنية لطالما زهدوا بها عبر التّاريخ. ولقد مثّل "التيار الوطني الحرّ" هذا الخطّ الذي أدرك أنّ قوة المسيحيين في لبنان نابعة من امتداداته الثقافية والسياسية والفكرية والدينية الغربية. لذلك، عمل جاهداً منذ بدايات وجوده السياسي، على تغيير هذا التموضع، فجهد إلى قطع التواصل مع الغرب تحت ذريعة التواصل مع الشرق. وما بين الشرق والغرب، أضاع هذا التيّار هويته الكيانيّة، وتمّ إضعاف هذا النهج المسيحي الديموقراطي التعدّدي الحرّ، على حساب النهج المسيحي الآخر، القائم على الشمولية ودعم الكيانات الخارجة عن نطاق الدولة.
خريطة الطريق الوحيدة هي باستعادة جوهر الدولة الحرّة وكيانيّتها اللبنانيّة. وذلك لن يكون إلا بتحرير الفكر المسيحي من ذمّيته التي لم تطبع تاريخ وجوديته في هذه الأرض إلّا من تاريخ 6 شباط 2006؛ وحدها هذه الطريق تؤمّن مقوّمات البقاء في لبنان لكلّ المؤمنين بكيانيّته، استلحاقاً بنتائج الخيارات الخاطئة التي اتّخذوها على قاعدة ربح العالم وخسارة أنفسهم، على الأحرار فيهم قيادة إنتفاضة مسيحيّة – لبنانيّة - كيانية ليبقى لبنان. وإلا... لن ينفع البكاء وصريف الأسنان.