جوزيف باسيل

ملكة صور وقرطاج أبحرت إلى اللامكان طواها البحر والزمن ولم يطوِها النسيان

3 شباط 2024

02 : 06

مدينة قرطاج

أبحر مركب أليسا من قرطاج الى اللامكان، لا هي كانت تعرف وجهتها ولا الذين رافقوها ولا الذين ودّعوها، ويا لَلأسف بقيت في اللامكان، هل انطلقت رغبةً في إنشاء مدينة أخرى مثل قرطاج على شاطئ آخر؟ أم هل غرق مركبها وابتلعها البحر؟ لا الحكاية ذكرت ولا الرواية توقّعت، وبقي المجهول مجهولاً. رحلت أليسا فطواها البحر والزمن ولم يطوِها النسيان.



منذ كنا صغاراً كانت قصة أليسار (هكذا سمّتها الكتب آنذاك) وبناء مدينة قرطاجة تثير فينا الدهشة، خصوصاً شراء قطعة أرض بمساحة جلد ثور، أي بمبلغ زهيد، ولمّا نسلته امتدّ على مساحة كبيرة بنت عليها مدينة قرطاج. كنّا معجبين ببراعة أليسا واحتيالها، فنحن شعب نفخر بالتشاطر والتذاكي والتحايل.

مشكلة البشرية منذ كانت وحتى تنتهي تدور على خلافات أبنائها على السلطة والمال، وهذا مختصر حكاية أليسا التي تركت مدينتها صور، بسبب خلافها مع أخيها بغماليون على الحكم الذي جعله والدها متان برأسين، خلافاً للمتعارف عليه في الممالك عبر التاريخ، وهذه الغلطة التي ارتكبها متان سابقة لم تتكرّر، لأنهم منذ القدم كانوا يعرفون أنه لا يقوم حكم برأسين، فكيف الحال بثلاثة كما هو الحال في لبنان حالياً!

جرت هذه الأحداث حوالى السنة 800 قبل الميلاد، حين كانت المدن الفينيقية تتنافس في ما بينها، رغم أنها كانت تتعرّض لهجمات جيوش إمبراطورية من الشرق أو الجنوب، فتدفع الجزية صاغرة أو تُحرق أو تهدم، ولم تتّحد لمواجهة أعدائها، وما أشبه اليوم بالبارحة!

حكم بغماليون سبعاً وأربعين سنة، وفي السنة السابعة من «الحكم برأسين» أبحرت أليسا الى شاطئ الشمال الأفريقي حيث أنشأت مدينتها قرطاج في المكان الذي يعرف حالياً بتونس.




توثّق الرواية التاريخ بقالب سرديّ، تروي رحلة تأرجحت بين البحث والخيال، وأضفت من الحاضر على التاريخ، كالقول إنّ صور استحقّت بجدارة لقب سيّدة البحار بفضل تاريخها وإنجازاتها العلمية ونظامها المدني بكل منشآتها الصغيرة والكبيرة ونظامها السياسي والاجتماعي وكل عناصر النجاح التي ساهمت في ازدهارها، علماً أن قرطاج هي التي كبر نفوذها وتوسّعت وسيطرت على البحر الأبيض المتوسط.

حكمت أليسا مدينتين، وتزوّجت مرّتين، ورحلت رحلتين، لكنها حافظت على حبّ واحد، كان دافعها الى الحياة بكرامة. من بين قلائل أسّسوا ممالك ليحكموها.

أما قرطاج فتأسست عام 814 ق.م. وكانت مأهولة بقبيلة ليبية، وكوّنت سلطة بحرية كبيرة، وسيطرت على المناطق المجاورة براً وبحراً، وعقدت معاهدتي سلام مع روما عامي 508 و348 ق. م. نصّتا على احتكار القرطاجيين النشاط البحري مقابل عدم تدخل قرطاج في الأراضي اللاتينية وعدم بناء حصون. أما ابنها هنيبعل فيذكره التاريخ كأول قائد عسكري هاجم روما وحاصرها وكاد يقضي عليها منطلقاً من قرطاج عبر إسبانيا على ظهر الأفيال. لكن عام 146ق.م. قضت روما على قرطاج.

ذكر هيرودوت أنّ قرطاج بلغت من القوة ما جعلها مركزاً تتبعه ثلاثمئة مدينة وجمعت في صقلية عام 480 ق.م. ثلاثمئة ألف جندي، معظمهم من المرتزقة، وكانت لها مستعمرات ومراكز تجارية في معظم جزر المتوسط الغربي. وذكر سترابو أنّ عدد سكانها قدّر بسبعمئة ألف نسمة، وبقيت تتبع مدينة صور ثقافياً ودينياً حتى بعد عظمتها كأكبر قوة حكمت مياه المتوسط. أما ديودورس، فذكر أنّها كانت ترسل عُشر ما يدخل خزينتها الى مدينتها الأم صور، حتى بعد احتلال الاسكندر لها. وأضاف أن صور أجلت نساءها وأطفالها والعجزة الى قرطاج عندما حاصرها الاسكندر. في رحلتها الأولى من صور أسّست أليسا مدينة صارت إمبراطورية، لكن رحلتها الثانية من قرطاج كانت بلا تخطيط ولا هدف، في الحالين هربت، لذلك دعيت بـ «الهاربة»، رحلت أليسا وعاشت قرطاج.