رشا الأمير

أحلم معك بعدل الأفعال...

3 شباط 2024

02 : 00

أيّها الكرام، ما الذي يَضْمَنُ بعدَ ما عاشه لبنانُ في السنوات الأخيرة مِنِ انحلالٍ تامّ، وبَعْدَ ما نعيشُهُ اليومَ مِن حروب، أن نستفيق ذاتَ صباحٍ مُشرقٍ، على دولةٍ تُدافعُ عن مصالحِها ومَصالحِ أبنائها؟

لبنانُ اليومَ، والشرقُ الأوسعُ، في ظلامٍ دامسٍ، وفي الظُّلمة، كما كتَبَ لقمان، في الظلمةِ تَتفتّحُ الأحلام... فَلْنُسَلِّمْ بِأنَّ ما يعيشُه الغَزِّيُّونَ هو أُمُّ الفظائع، بَيْدَ أنّ ما نُكابدُه في البلد الصغير لا يَقِلُّ ضَراوَة. لبنانُ يَحتضِر، لَعَلَّهُ في هزيعِه الأخير... لعلّه، وَلَعَلّنا آخِرُ اللبنانيين.

من مأثورِ لقمانَ جُملةٌ لا أمَلُّ مِن تَكرارها: «القاتلُ يَقتلُ، والنَّهّابُ يَنهبُ، والساكتُ عن الحقّ ساكتٌ عن الحقّ».

القاتلُ، يا لقمانُ، قَتَلكَ، وهو يستبسلُ ويمعن في تقتيل الفكرة التي قام عليها لبنان، والنَّهّابُ نَهَبَ أُمَّكَ وأباك وكُلَّ أمّهّاتِ وآباء هذه المِنْطَقة. أمّا الساكتُ والعابثُ بالحقِ وهو يجاهرُ بعكسِ ذلكَ، فَرَاضٍ لنا بمنتصرٍ أبديٍّ، سَجّانٍ قَرْوَسطِيِّ الملامح، شامتٍ ومُقَهْقِه.

يوم الأربعاء 3 شباط 2021، جِوار التاسعةِ مساءً، بعد خطفِكَ من نيحا، قتَلَكَ المأجورون في العدّوسيّة. أبو الردى، محترِفُه، مُطلقُ الرصاص، احتفَظ بغِلاف الرصاصة السادسة، تلك التي لم يجدها المحقّقون في السيّارة. لعلّه بعد أيّام قدّمها لسيّدِهِ، أو أنّه احتفظ بها لنفسه تميمةً ـ لا وألفُ لا أن تكون تأشيرتَه إلى الجنّة!

قبْلَ التاسعةِ بساعتَيْن ذلك الأربعاء المشؤوم، بدأتُ أقْلَق. قلِقْتُ كما قلِقَ كلُّ مَن سمِع باختفائك، بَيْدَ أنّني لم أتبَلَّغِ الخبرَ إلّا صباحاً، وأنا في مَخْفَرِ محلّتنا حارة ـ حريك، الذي رفضَ استقبالَ شَكْوَاي المسائيّة، وطلَب منّي الحضورَ مع هُوِيَّتِك! نعم، تصوّروا! تصوّر ـ الحضورَ مع هُوِيّتِك، التي لم تُعِدْها الأجهِزةُ لنا بَعْدُ!

مع الفجر، بُلّغ الأمنيّون بمقتَلِكَ، بَيْدَ أنّهم لم يُبادِروا ـ يا لَعَتَبِي ـ إلى مُواساتِنا. انتَظَرُوا أنْ تُطِلَّ علينا تغريدةُ مَنْ أفرَحَهُ الخبر. انتَظَرُوا وتَجَلْبَبُوا بالصمت، صمْتِ الشامتِ والخائفِ والمغلوبِ على أمره... حين أعدموك لقمانَ، تيقّنتُ للمرّة الألف ـ فكَمْ مِن وطنيٍّ اغْتِيلَ قبْلَك في العَقدَيْن الأخِيرَيْن ـ أنَّ القتلةَ لا ييأسون من تذكيرنا بأنّ ثُكْنَاتِهمِ العسكريّةَ والأمنيّة، جُمهوريّاتِ القمعِ والقتلِ والتشريد، لا علاقةَ لها بما صبَوْتَ إليه لِلُبْنَان والمِنْطَقة.

في الظُّلمةِ الأخلاقيّةِ والسياسيّة والعسكريّةِ، الحالكة المخضَّبَةِ بدماء، تمنَّيْتُ ألّا أعيشَ كي أراها تُسْفَك. أَحْلُمُ معَك بالعدلِ، عَدْلِ أفعالٍ لا عدلِ أقوالٍ وأمنيات، عدلٍ بشريٍّ لا إلهِيّ، عدلٍ يتمثّلُ بِدَولةٍ للفِلسطينيين، وبِقرارٍ اتّهاميٍّ في قضيّةِ المرفأ، وفي سائر القضايا التي دُفِنَتْ مع جُثَثِ أصحابِها.

أحُلُم لقمانَ أن يَخرُجَ الساكتون عن الحقّ، المتواطِئون مع القتَلَة والنَّهّابِين، فَيَبُوحُوا... وُجُوهُ قتَلَتِكَ مُسَجّلةٌ علَى كاميرات المراقبة. أين هي هذه الأفلامُ؟ أيْن مُرُوءَتُك أيّها الشيطانُ الأخرسُ حامي القاتلِ والنهّاب؟

أيّها الكرامُ، بَيَّنَتْ لنا المَقْتَلةُ المَهُولةُ المستمرّةُ أمام أعيُنِنا جميعاً، أنَّ أهْلَ القَرارِ على اختلافِ مَشاربِهِمِ، ارْتَضَوْا لَنا أنْ نُساسَ وَفْقاً لِشريعةِ «فَرِّقْ تَسُدْ»، و»الدِّيكتاتورُ مَصِيرُكُم»، و»القَوِيُّ القاتلُ أقْوَى مِنْ أيِّ عقاب». بكلامٍ آخَرَ، في ما يَخُصّ قضيّتَنا، قضيّةَ لُبنانَ ولقمان: «لا تُتْعِبُوا أنْفُسَكُمْ، كُفُّوا عنِ الأنِين. مِيزانُ العدلِ وسَيْفُه بِيَدِ الأقوياءِ وحْدَهُمْ، وأنتُم ضُعَفاءُ بِلا ظَهِير».

أصحيحٌ أنّنا ضُعَفاءُ وبلا ظهير؟ أصحيحٌ أنّنا أعْجَزُ من أنْ نُنازِلَ تِنّينَهُم؟ يقِيني ـ ولو بَدَا أنّنا اليومَ نَصْرُخ في البرِّيّة ، يقيني أنّ صلابةَ لقمانَ وإيمانَهُ بلبنانيّته، هما لنا الطريق. فهَيّا بنا كما كان يَحْلُو له أن يقول ويفعل، هيّا بنا!