د. ميشال الشماعي

الحقدولوجيا

4 دقائق للقراءة

يعاني اللبنانيّون اليوم مشاكل جمّة، البحث في نتائجها غير كافٍ، من المهمّ البحث عن أسبابها لمعالجتها. وإلا ستكون هذه الحلول آنيّة وستمنع قيام أيّ دولة، ولا حتى المحافظة على الوضع الحالي كما هو. وبالتالي ستتدهور الأمور أكثر، ولن يكون بمقدور أحد تقديم أيّ حلّ. من هنا تبرز ضرورة البحث في طبيعة العلاقات التي تجمع المجموعات الحضاريّة مكوّنة التركيبة التعدّديّة اللبنانيّة، والمطلوب أكثر الغوص في تفكير المجموعة الحضاريّة الواحدة لنستطيع التوصّل إلى معالجات حضاريّة لا تهتزّ عند أوّل عقبة.

يبرز اليوم في الساحة الاجتماعيّة مصطلح سوسيو - سياسيّ جديد عرف بعبارة "كلّن يعني كلّن". وهذا المصطلح أتى خلاصة لمبدأ الهدم للبناء، المبدأ الجبراني الذي انطلق منه الثورويّ جبران خليل جبران، ليبني فلسفته اللبنانيّة القائمة على الثورة الحضاريّة لبناء لبنان الجديد. ويأتينا أحدهم اليوم بعد أكثر من قرن على زمن جبران ليكرّر ما قاله في سلسلة ويلاته التي أطلقها متناسياً أنّ الثقافة التي حاول إرساءها مع عملاء له في الداخل، وعمالته للخارج غير اللبناني، قائمة على زرع الحقد بين اللبنانيين أنفسهم. وما يؤلم كثيراً هو هذه الكميّة من الحقد، الموجودة تحديداً في المجتمع المسيحي الذي من المفترض أن تكون قاعدته الوحيدة :"أحبّوا بعضكم بعضاً".

وما يؤلم أكثر في هذا السياق، التربية العائليّة التي يتم نقل الحقد بواسطتها من جيل إلى جيل، حتّى صارت تنقل جينيّاً. يكفي مثلاً أن نراقب كتابات بعضهم على مواقع التواصل الاجتماعي من الذين ولدوا بعد انتهاء الحروب العبثيّة بعقد ونيّف، كيف يضخّون حقدهم على إخوتهم في الحضارة والوطن. ومؤسف كيف بعد انقضاء قرن ونيّف على زمن ثائر لبنان الحقيقي، يستعيد هؤلاء أنفسهم أقواله وتعاليمه، في محاولة منهم للحفاظ على ما تبقّى من وطن جبران خليل جبران. اليوم وصلوا إلى الخوف الذي أطلقه إبن بشرّي من الشرذمة المجتمعية المتمثّلة بالتعدديّة الطوائفيّة القاتلة، عوض أن تكون رمزاً من رموز وجوديّة لبنان، وقاعدته الأساس في الفلسفة المجتمعيّة الوطنيّة. اليوم عرفوا قيمة الأجداد الذين حفروا الصخر، وجعلوا الأرض الجرداء جنائن معلقة بين الأرض والسماء، وها هم يدعون للجهاد الزراعي والصناعي. اليوم أدرك هؤلاء كلّهم معنى أن تكون ثائراً حقيقيّاً بوجه الحكّام الخرس من وقر السنين. اليوم أدركوا قيمة الرجال الأشداء الذين حملوا بندقيّتهم ذوداً عن لبنان الـ 10452 كم2، اليوم أيقنوا مضار أن يكون كلّ مكوّن أمّة منفصلة عن الأمّة اللبنانيّة.

لكنّ حقد هؤلاء الدفين، يدفعهم مجدّداً للانقضاض على ما تبقى من دستوريّة حقيقيّة للدولة حتّى بضرب قوانينها ومؤسساتها الدستوريّة، تحت حجج الحفاظ على الحقوق الطوائفيّة. يدخلون في بازارات البيع والشراء على حساب وجوديّة الكيان ليحصّلوا المزيد من المكاسب الشخصيّة حفاظاً على شخصانيّتهم الحزبيّة والطائفيّة الضيّقة، ولو بارتهانهم لأيديولوجيات بعيدة من الكيانيّة اللبنانيّة.

نتيجة لذلك كلّه، وجوديّة لبنان بخطر، والكيانيّة التي أرست دماء الشهداء الأحرار قواعدها في تاريخ هذه المنطقة من العالم، تهتزّ اليوم من كميّة الحقد التي طغت على المجتمع اللبناني حتّى باتت أيديولوجيا يتمّ التربية على أسسها. عدم الاعتراف بالخطأ في الخيارات السياسيّة خطيئة، وعدم الاعتراف للآخر المختلف بصوابيّة خياراته الوطنيّة خطيئة مميتة. المعالجة الحقيقيّة تبدأ من هنا. ما لم نستطع القيام بالثورة الحضاريّة عبثًا نثور. وما لم نستطع اليوم، بعد قرن من عمر لبنان الكبير، أن نثبّت قواعد الوطن تحت راية المحبّة الاجتماعيّة – الوطنيّة، سنخسر حتماً هذا الوطن الذي حافظ عليه الأجداد بعنفوانهم وإيمانهم لصالح الذين استطاعوا رهنه لحساب مصالحهم الضيّقة، ضاربين بعرض الحائط الهويّة الكيانيّة التي دُفِعَ ثمنها قطرات من العرق والتعب، والكدّ، والتضحيات حتّى أذكى دماء فلذات الأكباد، ليسلم لنا إيماننا وقناعتنا وحريّتنا الشخصيّة الكيانيّة.

ذلك كلّه أوجد في مجتمعنا علماً جديداً أطلقنا عليه "الحقدولوجيا" التي غدت حضارة يتغنّى بها من صار خارج الكيانيّة اللبنانيّة والتاريخ. ومن فاض قلبه بالحقد لن يبقى أيّ مكان فيه لمحبّة الآخر المختلف، ولا حتى لمحبّة الوطن. تبقى الاشكاليّة الكبرى في السؤال الآتي: أيّ وطن سنورثه لأولادنا من بعدنا؟