السفير د. هشام حمدان

الأرجنتين: مشروع النهوض قفزة في المجهول

13 شباط 2024

02 : 00

ميلي يقف متأثراً أمام «حائط المبكى» الثلثاء الماضي (أ ف ب)

أثارت مواقف رئيس الأرجنتين المُنتخب حديثاً خافيير ميلي خلال زيارته لإسرائيل الأسبوع الماضي، عاصفة من التعليقات والمخاوف داخل الأرجنتين، وفي مختلف أنحاء العالم. فالرئيس ميلي، قام بأوّل زيارة رسميّة له خارج الأرجنتين إلى إسرائيل، للتعبير عن دعمها في حربها ضدّ «حركة «حماس» الإرهابيّة»، وعن حقّها في الدفاع عن نفسها، والإعلان عن قراره نقل سفارة بلاده إلى القدس، وبحث مسائل العلاقات التجاريّة والاقتصاديّة، وكذلك زيارة «حائط المبكى» من أجل التعمّق في دراساته للتّوراة والتّلمود، والكتب المقدّسة اليهوديّة الأخرى.

عكس هذا الخيار للرئيس ميلي، عمق اندفاعه في اتّجاه يمينيّ متطرّف، وعمّق تأثير الجانب الدّيني والروحي عليه. وصفه محلّلون في الأرجنتين والعالم بأنّه «زعيم شعبويّ ديكتاتوريّ قوميّ متطرّف»، احتفل بفوزه زعماء اليمين المتطرّف في أرجاء العالم، ومثاله في أميركا هو الرئيس السابق دونالد ترامب. كما أنّ ميلي كاثوليكيّ المولد، لكنّه شتم البابا الأرجنتيني، واصفاً إيّاه باليساري. وميلي يُمارس اليهوديّة، ويميل إلى المتشدّدين بينها. وزار «حائط المبكى» وبكى أمامه معرباً عن عاطفة لم يبرز مثلها سابقاً أيّ زعيم دولة أخرى.

الأرجنتين دولة كاثوليكيّة، لكنّها موطن أكبر جالية يهوديّة في أميركا اللاتينيّة. كما أنّها موطن أكبر جالية عربيّة في أميركا اللاتينيّة بعد البرازيل، إذ هي ثالث أكبر جالية في البلاد بعد الجاليتَين الإيطاليّة والإسبانيّة. حمله ميله إلى اليهوديّة للنّظر بسلبيّة إلى الإسلام والمسلمين. فتحدّث في إحدى تعليقاته عن «الإرهاب الإسلامي»، الأمر الذي دفع الجالية الإسلاميّة في الأرجنتين إلى الاحتجاج. كما أنّه حمّل إيران مسؤوليّة التفجيرات التي حصلت ضدّ مقرّ «آميا» اليهودي في بوينس آيرس في تسعينات القرن الماضي. إنتقد محلّلون أرجنتينيّون مواقف ميلي، معربين عن قلقهم من أنّه يأخذ الأرجنتين من دون مُبرّر إلى موقف الطّرف إلى جانب إسرائيل، في وقت تشغل حرب غزة العالم، لما تتضمّنه من مظالم وجرائم، من بينها أبشع الجرائم في القانون الدّولي، وهي جريمة «الإبادة الجماعيّة».

ويخشى كثيرون أن تدفع مواقفه المتطرّفة الإستفزازيّة إلى حالة من اللاإستقرار في البلاد. ويتوقّع البعض أن لا يُنهي فترة حكمه. كما يتوقّع أن يؤثر موقفه غير المُبرّر، سلباً، على العلاقات بالعالم العربي، بعد أن كانت تجارة الأرجنتين مع العالم العربي قد تضاعفت منذ أن انخرطت في مؤتمر قمّة لدول أميركا الجنوبيّة والدول العربيّة كلّ سنتين، كان اقترحه الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا خلال زيارته بيروت عام 2005.

تُفيد التقارير أنّ انتخاب ميلي كان تعبيراً عن يأس لدى الأرجنتينيين. فالانتخابات كانت محصورة بين نمطين من الشخصيّات السياسيّة: واحد يُمثّل الطّبقة التي حكمت الأرجنتين لأكثر من 20 سنة منذ عاصفة الإنهيار المالي وإعلان الإفلاس عام 2001، وآخر ليبرالي شعبوي وصف نفسه بأنّه «فوضويّ» ويريد التحالف مع الولايات المتّحدة وإسرائيل، وهو ميلي. منحه الشعب الفرصة بعد أن فقد الأمل من وعود الطبقة الحاكمة. لكنّ برنامجه التقشّفي وميله لإجراءات تقلّص الخدمات الاجتماعيّة وتصيب الطبقة الاجتماعيّة الضعيفة في البلاد، ستؤدّي عاجلاً أم آجلاً إلى حركة شعبيّة معارضة شديدة.

الأرجنتين هي ثاني أكبر بلد جغرافيّاً في القارة اللاتينيّة، وإحدى أكبر اقتصاداتها إلى جانب البرازيل والمكسيك. تعتبر الأرجنتين غنيّة جدّاً في إنتاجها الرّيفي، لكنّها عانت من اعتمادها الليبراليّة الجديدة في عهد الرئيس كارلوس منعم، إذ أفسحت أمام خصخصة كلّ قطاعاتها، وفتحت اقتصادها للشركات المتعدّدة الجنسيّات. فعلت ذلك من دون أن يكون لديها نظام إداريّ يُمكنه أن يمنع الفساد والتهرّب من الضريبة. أدّى ذلك إلى خسارة البلاد لاحتياطها من العملات الأجنبيّة. وباتت تُعاني من ديون ضخمة. فَقَدَت العملة حتى الآن 90 في المئة من قيمتها وتجاوز معدّل التضخّم 200 في المئة.

يخشى متابعون أن يُعيد ميلي تجربة منعم الفاشلة. فهو لا ينوي تخصيص قطاعات من جديد فحسب، بل يُريد إلغاء المصرف المركزي واعتماد الدولار بدلاً من البيزوس كعملة لبلاده. هذا يعني ربط اقتصاد بلاده بالسياسة الأميركية. كلّ ذلك في حين أنّ النظامين الاقتصاديَّين الأميركي والأرجنتيني مختلفان تماماً. استمرار الأزمة الأرجنتينيّة سببها الفساد المستشري في البلاد. عبثاً تسعى الأرجنتين إلى النهوض بمثل هذه المواقف السياسيّة، فالعلاج يقع داخل البلاد.

(*) مؤسّس المركز اللبناني لخدمة العلاقات العربيّة الأميركيّة اللاتينيّة