يواجه رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان أزمة سياسية غير مسبوقة في بلده الذي شهد استقالة شخصيتَين سياسيتَين بارزتَين على خلفية جدل أثاره عفو ممنوح لرجل متورّط في قضية تحرّش بأطفال، وذلك قبل أشهر من الانتخابات المحلية والأوروبية.
في غضون أيام، دفعت القضية بالرئيسة المجرية كاتالين نوفاك ووزيرة العدل جوديت فارغا إلى الاستقالة.
ونوفاك وزيرة سابقة لشؤون الأسر تولّت الرئاسة في آذار/مارس 2022 لتصبح بذلك أول امرأة تتبوّأ المنصب.
والجدل قائم حول عفو مُنح في نيسان/أبريل 2023 في خضم زيارة أجراها البابا فرنسيس لبودابست، لنائب مدير سابق لدار أطفال ساعد في التستر على رئيسه الذي استغل جنسيا أطفالا ومراهقين.
وبعدما كشف الموقع الإخباري المستقل 444 القرار هذا الشهر، دعت المعارضة في البلاد إلى استقالة نوفاك.
وبعد دقائق من إعلان استقالتها، أعلنت جوديت فارغا وهي أيضا حليفة لأوربان "انسحابها من الحياة العامة" على خلفية موافقتها بشأن العفو بصفتها وزيرة للعدل، وهو منصب استقالت منه للتفرغ لحملة الترشّح للبرلمان الأوروبي.
وانسحبت السيدتان بذلك من الساحة السياسية بين ليلة وضحاها، وهما أبرز وجهَين نسائيَين في حزب "فيدس" يمثلان نظام أوربان في الخارج.
منذ عودة الزعيم القومي إلى السلطة عام 2010 وصعود القوات المعارضة "لم يكن لأي فضيحة هذا التأثير السياسي"، وفق ما جاء في مذكرة صدرت عن مركز "بوليتيكال كابيتال" المجري للبحوث.
ويرى المحلل السياسي روبرت لاسلو في حديث مع وكالة فرانس برس أن "ما يجعل هذه الأحداث غير عادية هو تتابع القضايا المثيرة للجدل دون أن تتمكن الحكومة من وقف" الحلقة.
- "حفنة تملك نصف البلد" -
في الليلة نفسها التي قدّمت فيها فارغا استقالتها، قال زوجها السابق بيتر ماغيار الذي شغل مناصب عدة في مؤسسات حكومية، على شبكات التواصل الاجتماعي "لا أريد أن أكون ولو لدقيقة جزءًا من نظام يختبئ فيه المسؤولون الحقيقيون خلف تنانير النساء"، معلنًا انسحابه من شركتين عامتين.
وشدّد على ذلك مجددًا في اليوم التالي خلال مقابلة بثت على قناة Partizan على يوتيوب، وهي واحدة من وسائل الإعلام القليلة المستقلة في المجر.
في مقطع الفيديو الذي حصل على أكثر من 1,6 مليون مشاهدة وهو ما يعدّ نسبة مشاهدة عالية في المجر التي تضمّ 9,7 ملايين نسمة، انتقد ماغيار الفساد المستشري في البلد الذي يتذيّل تصنيف منظمة الشفافية الدولية للفساد في دول الاتحاد الأوروبي.
على مرّ السنوات، ازداد غنى الدائرة المقرّبة من فيكتور أوربان بشكل لافت. وفي مواجهة شكوك حول اختلاس أموال أوروبية، جمّدت بروكسل مليارات اليورو.
وقال ماغيار "لا يمكن هذا الوضع أن يستمر على هذا النحو. هل يُعقل أن تملك حفنة من العائلات نصف البلد؟".
ووصف نظامًا استبداديًا يسيطر على الخطاب العام ويتحكّم في حياة العاملين فيه دون أن يهاجم رئيس الوزراء بشكل مباشر، لكنه استهدف رئيس كتلة "فيدس" في البرلمان المجري أنتال روغان.
ولم يرد ماغيار على طلب التعليق من وكالة فرانس برس.
- أوربان راسخ رغم الفضيحة -
من جهته، لم يتحدث أوربان بعد منذ نحو أسبوع، واكتفى بنشر صورة الأربعاء لاجتماع وزاري. وسيُراقب خطابه عن حالة الأمة المقرر ليوم السبت، من كثب.
ويعتبر مدير معهد "بوليسي سولوشنز" أندراس بيرو-ناغي أن "الفضيحة طالت خطاب الحكومة عن حماية الأطفال في الصميم"، لافتًا إلى هشاشة النظام المجري المحاصر في دعايته الخاصة.
ويقول إن الغضب فاقمه كون كاتالين نوفاك بنت مسيرتها على صورتها كأمّ وهي شخصية رائدة في مجال دعم السياسات المؤيدة للإنجاب.
ولم تحلّ استقالتها اللغز في قضية العفو عن نائب مدير سابق لدار أطفال حكم عليه عام 2022 بالسجن لأكثر من ثلاث سنوات بتهمة التستر على رئيسه الذي استغل جنسيًا أطفالا ومراهقين.
ولم يُقدَّم أي تفسير.
وخلال التحقيق معه، اعترف الأسقف الكالفيني زولتان بالوغ الذي كان يعمل مستشارًا للرئيسة، بأنه أيد إجراء منح العفو، دون أن يفصّل الأسباب.
بعد تظاهرات الأسبوع الماضي دعت إليها المعارضة، دعا مؤثرون على شبكات التواصل الاجتماعي إلى مسيرة الجمعة تضامنًا مع "الضحايا الذين غدر بهم" هذا القرار.
بذلك، يُرجّح ألّا يتمكن أوربان من طيّ صفحة هذا الملف بالسرعة التي يريدها.
لكن "من غير المرجّح أن تشوه هذه القضية سمعته بين أنصاره" لأنه راسخ بقوة في السلطة، بحسب مركز "بوليتيكال كابيتال".
ويتوقع الخبراء حملة قمع جديدة على وسائل الإعلام المستقلة بعدما كشف موقع 444 قرار العفو.
روس-انب/كبج/الح
Agence France-Presse ©