ايلي الياس

البارجة التي انتظرتنا على الشاطئ

4 دقائق للقراءة

في أيلول 1983، أرسل رونالد ريغان البارجة "نيوجيرسي" إلى الشاطئ اللبناني، بعدما أجاز القصف البحري والجوي لمنع سقوط سوق الغرب، ومعها سقوط آخر ما تبقّى من شرعيّة الدولة. لم تكن تلك اللحظة تفصيلا عسكريًا عابرًا، بل ذروة ثلاث سنوات حاولت فيها واشنطن أن تساعد لبنان على استعادة أرضه وقراره. فلماذا انتهت التجربة بانسحاب المارينز في شباط 1984، وبدولة سلّمت مفاتيحها لدمشق وطهران ثلاثة عقود كاملة؟

منذ نيسان 1981، حين اشتبك الطيران الإسرائيلي مع القوات السورية حول مرتفعات صنّين ونشر حافظ الأسد صواريخه في البقاع، أرسل ريغان مبعوثه فيليب حبيب لمنع الانفجار. وبعد الاجتياح الإسرائيلي في حزيران 1982، انتقلت واشنطن من إدارة الأزمة إلى الانخراط المباشر: قوة متعدّدة الجنسيات واكبت خروج منظمة التحرير من بيروت. وفي 28 تشرين الأول 1982، وقّع ريغان توجيه الأمن القومي رقم 64، واضعًا ثلاثة أهداف واضحة: انسحاب القوات الأجنبية كافة، وإعادة بناء الجيش اللبناني، والمساهمة في قوة متعدّدة الجنسيات موسّعة لتثبيت سلطة الدولة.

كانت تلك، بكل المقاييس، فرصة نادرة: دولة عظمى تتبنّى مشروع السيادة اللبنانية بحرفيّته. فماذا فعلنا بها؟

تردّدنا. وقّعت الدولة اتفاق 17 أيار 1983 برعاية جورج شولتز، وأقرّه مجلس النواب، لكن الرئيس أمين الجميّل جمّد إبرامه، وربط تنفيذه بانسحاب سوري لم يكن الأسد ينوي تقديمه. فبقي الاتفاق معلّقًا بين توقيع لا يُنفَّذ وإلغاء لا يُعلَن، فيما كانت دمشق تنظّم معارضة الداخل وتسلّحها. وحين انسحب الجيش الإسرائيلي من الشوف في أيلول 1983، انفجرت حرب الجبل، وتقدّمت الميليشيات المدعومة من سوريا حتى باتت تهدّد بيروت وحكومة الجميّل نفسها.

كانت الرسالة الأولى وصلت في 18 نيسان 1983، حين دُمّرت السفارة الأميركية في بيروت. ثم جاء 23 تشرين الأول: شاحنة مفخّخة تقتل 241 عسكريًا أميركيًا في مقرّ المارينز، في عملية نسبتها واشنطن إلى مجموعات شيعية مرتبطة بإيران، ستتبلور لاحقًا في "حزب الله". لم يكن ذلك إرهابًا أعمى، بل رسالة سياسية دقيقة: من يدعم الدولة اللبنانية يدفع الثمن دمًا. ومع ذلك، ردّت الإدارة بالتصعيد لا بالانكفاء، فوقّع ريغان التوجيه 111 لتوسيع الدعم الجوي والبحري للجيش اللبناني. غير أنّ القرار تعثّر عند التنفيذ: حين قصفت فرنسا في تشرين الثاني مواقع الحرس الثوري في البقاع، بقيت الطائرات الأميركية على مدارجها، إذ امتنع واينبرغر عن المشاركة، فنجت ثكنة الشيخ عبد الله، ونجا معها المشروع الذي سيحكم لبنان أربعين عامًا.

لكن الحليف لا يستطيع أن يكون أكثر لبنانيةً من اللبنانيين. فالانقسام داخل الإدارة بين شولتز ووزير الدفاع كاسبار واينبرغر، وضغط الكونغرس الذي قيّد بقاء المارينز بثمانية عشر شهرًا منذ أيلول 1983، ثم إسقاط سوريا طائرتين أميركيتين فوق الجبل في 4 كانون الأول، وتقرير لجنة "لونغ" الذي أدان طريقة الانتشار، كلّها كانت تستدعي شريكًا لبنانيًا حاسمًا يبرّر كلفة البقاء. وبدل ذلك، رأت واشنطن دولة تجلس مع خصومها إلى طاولة جنيف، وجيشًا يتصدّع على خطوط طائفية. وفي 6 شباط 1984، سقطت بيروت الغربية بيد الميليشيات، فأعلن ريغان في اليوم التالي سحب المارينز إلى البحر. وفي 5 آذار، ألغت الحكومة اتفاق 17 أيار رسميًا. هكذا وُلدت دولة 6 شباط: دولة تحكمها الميليشيا ويديرها الوصيّ.

الدرس ليس أن أميركا خذلتنا، بل أننا خذلنا أنفسنا حين طلبنا الحماية ورفضنا دفع ثمن القرار. فالدعم الخارجي لا يصنع السيادة، بل يمنح الدولة نافذة لتمارسها. ومن يتردّد أمام النافذة، يجدها مغلقة يوم يقرّر.

اليوم، بعد سقوط نظام الأسد وانكسار المحور الذي أسقط تجربة 1983، تُفتح نافذة مشابهة. المجتمع الدولي يعرض دعمًا للجيش، ويشترط ما سعى إليه ريغان قبل أربعة عقود: حصرية السلاح بيد الدولة، وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وإصلاح مؤسساتها. والخطر أن نكرّر الخطيئة نفسها: أن نوقّع ولا ننفّذ، أن نعلن ولا نحسم، أن ننتظر رضى الميليشيا الإيرانية قبل أن نمارس ما هو حقّ طبيعي للدولة.

في 1984 رسبنا لأننا خفنا من قرارنا أكثر مما خفنا من خسارته. البارجة ما عادت على الشاطئ، وما عاد أمامنا إلا أن نكون نحن السند لأنفسنا.