بعد 3 أيام من وفاته داخل سجن «الذئب القطبي» بعد سنوات من نجاته بأعجوبة من التسميم بمركّب «نوفيتشوك»، بدأت قضية مقتل المُعارض الرئيسي للكرملين أليكسي نافالني تُشكّل ضغطاً داخلياً وخارجياً على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث اتهمته أمس أرملة نافالني، يوليا نافالنايا، بقتل زوجها، داعيةً المعارضين الروس الذين استمرّوا في إحياء ذكراه في المدن الروسية والخارج، إلى مواصلة النضال إلى جانبها، فيما استدعت عواصم أوروبّية السفراء الروس لديها، وبدأت واشنطن وبروكسل درس فرض عقوبات جديدة على موسكو.
وواصل عشرات الروس وضع زهور على مزار لتكريم ذكرى ضحايا القمع السياسي إبّان الحقبة السوفياتية في موسكو أمس تكريماً لنافالني، على رغم توقيف السلطات منذ وفاته أكثر من 400 شخص في كلّ أنحاء البلاد على خلفية تحرّكات لإحياء ذكراه، لكن لم تتعرّض الشرطة في موسكو أمس لمناصريه الذين بكى بعضهم حول المزار الواقع قبالة لوبيانكا مقرّ جهاز الاستخبارات السوفياتي السابق (كي جي بي) ثمّ جهاز الأمن الفدرالي الروسي (أف أس بي)، والذي زاره العديد من السفراء من بينهم السفير الفرنسي بيار ليفي.
وفي مقطع فيديو نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي، قالت نافالنايا: «قتل فلاديمير بوتين زوجي أليكسي نافالني، قتل بوتين والد أطفالي لأنّه أراد قتل أملنا وحرّيتنا ومستقبلنا». وأكدت وقد اغرورقت عيناها بالدموع ضرورة «أن نوحّد صفوفنا لنوجّه ضربة مشتركة لبوتين ولأصدقائه والقتلة الذين يُريدون شلّ بلادنا»، واعدةً بالكشف عن هوية «الذي نفّذ هذه الجريمة» وفي أي ظروف.
كما وجّهت خطاباً مقتضباً قوبل بتصفيق حارّ خلال اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل. وكشف ديبلوماسيون أوروبّيون أنّها كرّرت تصميمها على مواصلة النضال ودعت الكتلة إلى بذل مزيد من الجهد لاستهداف الدائرة المحيطة ببوتين، وهو ما قابله الحضور بالتصفيق وقوفاً. وأضافوا أنها حذّرت أيضاً من إبرام أي صفقات مع الزعيم الروسي أو توقّع منه أن يتغيّر.
وتوقّع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل أن تقترح الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات جديدة على المسؤولين المباشرين عن كيفية معاملة نافالني، بما في ذلك في نظام السجون الروسي، مشيراً إلى أن بروكسل ستُعيد، في خطوة رمزية، إطلاق اسم نافالني على لائحتها السوداء لمَن تفرض عليهم عقوبات بسبب انتهاكات حقوق الإنسان العالمية. كما تعهّد بوريل «مساءلة» بوتين عن وفاة نافالني، بعد لقائه نافالنايا.
من جهته، أشار فريق نافالني إلى أن المحقّقين قالوا إنّهم سيُجرون على مدى 14 يوماً على الأقل «فحصاً» لجثة نافالني قبل تسليمها، بعدما مُنعت والدته من الوصول إلى الجثة. وأكدت المتحدّثة باسم نافالني كيرا يارميش أن «جثة نافالني مخفية لإخفاء علامات القتل وهذا الفحص هو كذبة مفضوحة ومهزلة»، بينما أفاد الكرملين أن التحقيقات جارية في شأن ملابسات وفاة نافالني و»لا نتائج» حتى اللحظة و»الكرملين لا يُقرّر ما يحصل للجثة ولا موعد تسليمها».
أميركيّاً، أعلن الرئيس جو بايدن أنه «ينظر في فرض عقوبات إضافية» على موسكو، بعدما حمّل بوتين و»زمرته» المسؤولية المباشرة عن وفاة نافالني الأسبوع الماضي، آملاً في أن تُحدث وفاة نافالني فرقاً في ما يتعلّق بإقرار المساعدات لأوكرانيا، في حين كسر الرئيس السابق دونالد ترامب صمته في شأن وفاة نافالني في منشور على «تروث سوشيال» لم يأتِ على ذكر الحكومة الروسية أو بوتين فيه، بل انتقد الديموقراطيين، ما دفع منافسته الساعية لنيل ترشيح الحزب الجمهوري نيكي هايلي إلى التساؤل: «هل اعترف ترامب بدور بوتين في قتل نافالني وكثيرين غيره مِمَّن تجرّأوا على الوقوف في وجه الديكتاتور الروسي؟ بالطبع لا».
أوروبّياً، استدعت وزارة الخارجية السويدية السفير الروسي في السويد إثر وفاة نافالني. وحضّ وزير الخارجية توبياس بيلستروم الاتحاد الأوروبي على «التحرّك ضدّ القمع السياسي في روسيا»، لافتاً إلى أن الحكومة السويدية بادرت على المستوى الأوروبي إلى درس إمكان فرض عقوبات جديدة على موسكو، بينما استدعت برلين ومدريد أيضاً السفير الروسي لدى كلّ منهما على خلفية وفاة نافالني.
وفي هذا الإطار، اعتبر وزراء خارجية دول البلطيق الثلاث، ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا، أن الانتخابات الرئاسية الروسية المقرّرة الشهر المقبل لن تكون «حرّة ولا نزيهة ولن تتمتّع بأي شرعية ديموقراطية» مع ترشّح بوتين لإعادة انتخابه من دون منافس حقيقي، مُدينين «القمع الشامل» الذي يُمارَس ضدّ المعارضة ووسائل الإعلام المستقلّة في روسيا. واستدعت وزارة الخارجية الليتوانية ديبلوماسياً روسياً إلى فيلنيوس ليبلغ مذكرة تقول إنّ «المسؤولية الكاملة عن وفاة نافالني تقع على عاتق بوتين ونظام الكرملين الذي يقوده».