لا يمكن أن أنسى يوم 22 شباط 2022. عشية ذلك اليوم، انضمّيتُ إلى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن داخل غرفة محصّنة في مقر وزارة الخارجية، لحضور اجتماع وزاري مع كبار أعضاء مجلس الأمن القومي. طرح الموجز الاستخباراتي الاعتيادي تحذيراً خطراً: تتجه روسيا إلى إطلاق غــــــزو شامــــــــل ضد أوكرانيا.
خلال الأشهر السابقة، كانت الولايات المتحدة قد بدأت برفع السرية عن المعلومات الاستخباراتية لتحذير أوكرانيا والعالم من خطط روسيا. في تلك الأمسية داخل وزارة الخارجية، استنتج قادة مجلس الأمن القومي ضرورة أن نتقاسم معلوماتنا الجديدة حول ذلك التهديد الطارئ مع أوكرانيا فوراً.
في النهاية، لم يكن كشف الخطط الروسية مسبقاً تدبيراً كافياً لمنع الحرب. لكن سمح تقاسم المعلومات الاستخباراتية الأميركية لأوكرانيا بالدفاع عن نفسها، وتحرّك الحلفاء والشركاء لدعم كييف، وضعفت حملة التضليل الروسية بنظر الرأي العام، وتجدّدت صدقية الاستخبارات الأميركية والولايات المتحدة عموماً بنظر العالم. كانت حرب العراق قد سلّطت الضوء على مخاطر ديبلوماسية الاستخبارات، لكن جاءت حرب روسيا في أوكرانيا لتكشف الفرص التي تقدّمها.
لطالما تقاسمت الولايات المتحدة المعلومات الاستخباراتية المرتبطة بالتهديدات المطروحة مع شركائها الخارجيين، ولطالما اعتُبِرت الاستخبارات ورقة قيّمة بيد الديبلوماسيين الأميركيين. لكن يرمز الغزو الروسي لأوكرانيا إلى التطور اللافت للدعم الاستخباراتي الذي تستفيد منه الديبلوماسية الأميركية من حيث الحجم، والنطاق، والسرعة. شكّل ذلك التحرك أيضاً نقطة تحوّل في الصدقية العالمية للأوساط الاستخباراتية الأميركية، أي الوكالات التي تنفّذ النشاطات الاستخباراتية لدعم مصالح الأمن القومي الأميركي ويبلغ عددها 18 وكالة.
نظراً إلى دقة الاستخبارات ونجاحها في كشف المخططات الروسية، اقترح الكثيرون في أوساط الحكومة ووسائل الإعلام وعامة الناس أن يُستعمَل الإفصاح عن المعلومات الاستخباراتية كأداة ديبلوماسية في صراعات وتحديات عالمية أخرى.
ما من تعريف شائع ومقبول لمعنى «ديبلوماسية الاستخبارات». يعتبرها البعض عملية بسيطة لتقاسم المعلومات الاستخباراتية مع الشركاء الخارجيين بالطرق التقليدية، بينما يعتبرها آخرون وسيلة لدعم حملات الديبلوماسية العامة أو جذب الأنظار إلى بيانات المسؤولين الحكوميين. في وزارة الخارجية، تحمل ديبلوماسية الاستخبارات التعريف التالي: «استعمال الاستخبارات لدعم النشاطات الديبلوماسية والديبلوماسية العامة بهدف تحقيق أهداف السياسة الخارجية الأميركية، وتقديم المعلومات إلى الشركاء، وبناء التحالفات، وتسهيل التعاون والاتفاق على المقاربات والآراء، والتحقق من المعاهدات».
يتعلق أبرز تَحَدٍّ تواجهه الأوساط الاستخباراتية وصانعو السياسة بحصد أكبر عدد ممكن من منافع ديبلوماسية الاستخبارات، تزامناً مع تجنّب استغلالها أو إساءة استعمالها. حين نفكر بمستقبل ديبلوماسية الاستخبارات، يجب ألا ننسى الدروس المستخلصة من تجربة العراق. في الوقت نفسه، يُفترض أن نطّلع على أسباب نجاح ديبلوماسية الاستخبارات في الرد الأميركي على الغزو الروسي الشامل ضد أوكرانيا.
يرتبط السبب الأول بنجاح قيادة الرئيس جو بايدن. في أواخر العام 2021، حين عمدت روسيا إلى تعبئة قواتها واتخذت خطوات اعتبرتها الأوساط الاستخباراتية تمهيداً لهجوم مرتقب على أوكرانيا، أمر بايدن بتخفيف الطابع السرّي للمعلومات الاستخباراتية المتعلقة بخطط موسكو ونواياها.
ثانياً، كانت أهداف السياسة الأميركية واضحة ومبنية على مبادئ محددة: تجنّب الحرب. قال مستشار الأمن القومي جايك سوليفان من البيت الأبيض في بداية العام 2022: «في العراق، استُعمِلت الاستخبارات من هذا المنبر بالذات لإطلاق الحرب. نحن نُحاول أن نمنع الحرب هذه المرّة». وجّه بلينكن رسالة مشابهة في مجلس الأمن قبل أيام على بدء الغزو الروسي.
ثالثاً، كانت الاستخبارات الأميركية في شأن روسيا وأوكرانيا محدّدة، ومتماسكة، ودقيقة، ولا تزال كذلك. حمل المحللون في الأوساط الاستخباراتية ثقة عالية بصدقية المعلومات التي جمعوها في شأن نشاطات روسيا ونواياها، وتنجم هذه الثقة عن تكثيف الاستثمار في قدرات جمع المعلومات وتحليلها طوال سنوات.
رابعاً، سمحت بيانات جديدة ومفتوحة المصدر حول النشاطات الروسية، مثل الصور التجارية ومواقع التواصل الاجتماعي، برفع السرية عن معلومات جديرة بالثقة وتقاسمها مع الشركاء الخارجيين أو الرأي العام من دون تهديد مصادر وأساليب جمع المعلومات الأكثر حساسية.
بقيادة بلينكن، طبّقت وزراة الخارجية الأميركية مقاربة مركّزة ومتعمدة لضخ المزيد من الجهود الديبلوماسية في عالم الاستخبارات، ما سمح للوزارة بالتعاون مع الأوساط الاستخباراتية عن قرب. اليوم، يبحث عدد كبير من أهم المسؤولين في وزارة الخارجية عن الفرص التي تسمح لهم باستعمال مقاربة رفع السرّية عن المعلومات الاستخباراتية على مستوى الالتزامات الدولية، أو المواقف العلنية، أو المقاربات الديبلوماسية.
ألمح بلينكن من جهته إلى وجود «تآزر عميق بين استخباراتنا وديبلوماسيتنا» خلال خطاب ألقاه في مكتب مدير الاستخبارات الوطنية في تموز 2022، ثم أضاف قائلاً: «يجب أن تبقى ديبلوماسية الاستخبارات جزءاً من تفكيرنا، لا في تعاملنا مع العدوان الروسي ضد أوكرانيا فحسب، بل في كلّ الملفات».
في أيلول 2023، حدّد بلينكن طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الديبلوماسية أثناء انتقالها من نهاية النظام الناشئ بعد الحرب الباردة إلى حقبة جديدة من المنافسة الاستراتيجية المبنية على الصراع بين الديموقراطية والاستبداد. تقوم هذه الاستراتيجية بحسب قوله على «تجديد التواصل، وإحياء أكبر مواردنا الاستراتيجية، وإعادة صياغتها، أي تحالفات الولايات المتحدة وشراكاتها».
سيكون دور الاستخبارات أساسياً لدعم تلك العلاقات وتطويرها. قد يسمح تقاسم المعلومات ببناء الثقة، والتوصل إلى آراء مشتركة انطلاقاً من معلومات يمكن الوثوق بها، وفتح مجالات جديدة للتعاون بين الشركاء. كذلك، قد تصبح التحالفات القوية عاملاً محورياً بالنسبة إلى أوساط الاستخبارات الأميركية. توضح استراتيجية الأمن القومي التي وضعتها إدارة بايدن، واستراتيجية الاستخبارات الوطنية التي طرحتها مديرة الاستخبارات الوطنية حديثاً، أن ديبلوماسية الاستخبارات ستكون أساسية في المنافسة الاستراتيجية التي تخوضها واشنطن ضد قوى استبدادية ورجعية.
يتّضح هذا الواقع الجديد عبر عدد الطلبات التي يقدمها المسؤولون والديبلوماسيون في وزارة الخارجية لرفع السرية عن المعلومات الاستخباراتية. في العام 2021 مثلاً، وصل عدد تلك الطلبات إلى 900، ثم زاد هذا الرقم إلى 1100 في العام 2023، بمعدل يفوق العشرين طلباً في الأسبوع الواحد.
إستعملت وزارة الخارجية الأميركية ديبلوماسية الاستخبارات في ملفات مختلفة عن حرب أوكرانيا. في العام 2023 وحده، لجأ المسؤولون إلى رفع السرية عن المعلومات الاستخباراتية علناً (وعبر القنوات الديبلوماسية ضمناً) لتحذير الصين من عواقب إرسال أي أسلحة فتاكة إلى روسيا لمساعدتها في حربها ضد أوكرانيا. ثم استعملت وزارة الخارجية المقاربة نفسها كجزءٍ من جهود أوسع لتشجيع أحد البلدان على تغيير مساره بعدما فكّر باستيراد المعدات العسكرية الصينية، وهو انتهاك واضح للاتفاقات الثنائية مع الولايات المتحدة. كذلك، اتكلت وزارة الخارجية بشدّة على تلك المقاربة للتواصل مع الدول الأخرى ومنع تكاثر تقنيات المراقبة لصالح الحكومات المتورطة في انتهاك حقوق الإنسان.
لكن لا يمكن استعمال ديبلوماسية الاستخبارات بالطريقة نفسها في كلّ الحالات. ستقوم مختلف الوكالات الحكومية، في الولايات المتحدة وأماكن أخرى، بتطوير واستخدام نماذج تتماشى مع سلطاتها المحلية وأهدافها. في السياق الأميركي على الأقل، يُفترض أن تتماشى تلك النماذج مع التوجيهات الفدرالية الصادرة عن مدير الاستخبارات الوطنية. اتخذنا في وزارة الخارجية خطوات عدة لإضفاء طابع مؤسسي على أفضل الممارسات المرتبطة بتوقيت استعمال ديبلوماسية الاستخبارات وكيفية تطبيقها بقوة وانضباط وحذر.
أولاً، طرحنا مبادئ توجيهية لتقييم طلبات رفع السرية عن المعلومات الاستخباراتية علناً من جانب موظفي وزارة الخارجية. تُكَمّل هذه المبادئ الأساسية سياسة الإفصاح عن المعلومات الاستخباراتية التي حددها مدير الاستخبارات الوطنية.
على صعيد آخر، يُفترض أن تدعم ديبلوماسية الاستخبارات هدفاً سياسياً محدداً، وتتماشى مع عناصر أخرى من القوة الوطنية، وتعطي الأولوية لتقوية التحالفات والشراكات، وتتكل على معلومات استخباراتية جديرة بالثقة ومتعددة المصادر للحفاظ على الصدقية الأميركية، وتسعى إلى تقاسم معلومات جديدة وفريدة من نوعها ولا يمكن إيجادها عبر أي مصادر مفتوحة. كذلك، يجب أن تكون المعلومات الاستخباراتية المستعملة لدعم الديبلوماسية واضحة، ومفهومة، ويسهل نقلها إلى الجمهور المستهدف. ويُفترض أن تقارن اقتراحات ديبلوماسية الاستخبارات بين المنافع المتوقعة والمخاطر المحتملة على مستوى المصادر والأساليب المعتمدة.
في كانون الثاني، جمعنا تلك المبادئ والتوجيهات لاستعمال ديبلوماسية الاستخبارات في السياسة الداخلية لوزارة الخارجية بهدف زيادة الوعي وسط فِرَق العمل وطرح التعليمات للأجيال المستقبلية من ضباط الخدمة المدنية والخارجية.
ثانياً، استعملنا التكنولوجيا لتسهيل وصول الديبلوماسيين الأميركيين إلى ديبلوماسية الاستخبارات، محلّياً وخارجياً، من خلال توفير الموارد وأدوات تقاسم المعلومات الاستخباراتية على مختلف الشبكات الإلكترونية السرية والعلنية في وزارة الخارجية.
أخيراً، بدأنا نطوّر التدريبات لتوعية ضباط الخدمة الخارجية والسفراء الجدد حول ديبلوماسية الاستخبارات وكيفية دمج القدرات المتاحة مع نشاطاتهم الديبلوماسية في مختلف المهام الأميركية حول العالم.
باختصار، بدأت ديبلوماسية الاستخبارات تزداد أهمية لدعم وتمكين مهمّة وزارة الخارجية التي تُعتبر أهم وكالة مسؤولة عن السياسة الخارجية الأميركية. لكن لا بد من استعمالها بطريقة تتماشى مع متطلبات الأمن القومي والقيم الأميركية. من دون فرض حواجز حماية، يرتفع احتمال استغلال ديبلوماسية الاستخبارات أو إساءة استعمالها.
عندما أعود إلى تلك الليلة المحتدمة في شباط 2022، لا مفر من أن ألاحظ إلى أي حد تغيّر العالم وتطوّرت العلاقة بين الاستخبارات والديبلوماسية خلال سنتين. لم نعد نستطيع النظر إلى الاستخبارات كجزءٍ من الموارد التحليلية بكل بساطة، بل يجب أن تُعتبر أداة أساسية لتقوية الديبلوماسية الأميركية في خضم منافستنا مع خصومنا الاستراتيجيين. من خلال فرض حواجز الحماية المناسبة، ستضطلع ديبلوماسية الاستخبارات بدور محوري لضمان مستقبل آمن للولايات المتحدة.