كيث جونسون وإيمي ماكينون

الولايات المتحدة تُفكّر بتحويل الأصول الروسية المجمّدة إلى أوكرانيا

8 دقائق للقراءة

المصدر: Foreign Policy

البنك المركزي الروسي في موسكو | روسيا، 26 آذار 2022

بدت فكرة استعمال الأصول الروسية المجمّدة لتسديد كلفة إعادة إعمار أوكرانيا الغارقة في الحرب جامحة منذ سنتين، لكنها قد تصبح واقعاً ملموساً قريباً، فتشكّل سابقة تاريخية في مجال القانون الدولي.

كانت المؤسسات المالية في الولايات المتحدة وأوروبا تشمل أصولاً روسية مجمّدة بقيمة 300 مليار دولار في بداية الحرب، ويمكن الاستفادة منها في حال مصادرتها لدفع كلفة الأضرار التي سببها الغزو. في السنة الماضية، أشارت تقديرات البنك الدولي إلى تجاوز كلفة الأضرار عتبة 400 مليار دولار، لكن زادت تلك التكاليف طبعاً منذ ذلك الحين.

في أول أيام الحرب، رفضت وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين، فكرة مصادرة الأصول الروسية باعتبارها خطوة «غير قانونية». لكن اكتسبت هذه الفكرة زخماً متزايداً في الفترة الأخيرة بسبب استمرار العدوان الروسي ضد البنى التحتية المدنية في أوكرانيا من جهة، وزيادة المخاوف في شأن حجم المساعدات الأميركية والغربية التي ستتلقاها كييف في المستقبل القريب من جهة أخرى.

لكن طرح مجلس الشيوخ الأميركي أخيراً تشريعاً قد يسمح بمصادرة أصول الدولة الروسية المجمّدة بعد اتخاذ تدبير مشابه في مجلس النواب سابقاً. دعمت إدارة جو بايدن مشروع القانون بعد تقييم تداعياته القانونية بحذر.

قد تكون هذه الخطوة غير مسبوقة من حيث نطاقها، فهي تطرح مجموعة معقدة من التحديات القانونية القادرة، برأي النقاد، على إضعاف مبدأ الحصانة السيادية للدول، حتى أنها قد تنسف الثقة بالمؤسسات المالية والعملات الغربية.

لكن لن تكون المعركة التي تسمح بالانتقال من تجميد الأصول إلى مصادرتها بالغة الأهمية بالنسبة إلى مستقبل أوكرانيا وحسابات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فحسب، بل يظن كبار علماء القانون الدولي أن مصادرة تلك الأصول سترسّخ سابقة إيجابية، بينما يعيق الفشل في تنفيذ هذه الخطوة أي جهود مستقبلية من هذا النوع.

بدأ المسؤولون الروس من جهتهم يستعدون لخوض معركة شرسة في حال تمت مصادرة أصول بلدهم، فهم يهدّدون باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في محاكم أوروبا والولايات المتحدة. في كانون الأول، وقّع بوتين على مرسوم لمصادرة الأصول الروسية في عدد من الشركات الأوروبية، منها شركة البيرة الدنماركية «كارلسبرغ» وشركة تصنيع الألبان الفرنسية «دانون». كذلك، حذّر المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف من امتلاك موسكو لائحة بالأصول الغربية التي تساوي الأصول الروسية المجمّدة في الغرب ويمكن مصادرتها رداً على أي تحرك مماثل.

يشبه النقاش المستمر حول مصادرة الأصول السيادية الروسية الجدل المرتبط بقرارات محورية عدة اتخذها شركاء أوكرانيا الغربيون على مر الحرب، بما في ذلك القرارات التي تقضي بإرسال الدبابات والأسلحة الهجومية إلى الجيش الأوكراني.

في غضون ذلك، لا تشعر أوكرانيا بالقلق من كلفة إعادة الإعمار مستقبلاً فحسب، بل تخشى أن يتوقف تدفق المساعدات المالية والعسكرية من الغرب، لا سيما الولايات المتحدة، بسبب اعتراض الجمهوريين في الكونغرس.

تعليقاً على الموضوع، يقول إيليا تشيرنوهورينكو، مسؤول سابق في وزارة العدل الأوكرانية ومستشار سابق للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي: «يجب أن نبلغ المرحلة التي تسمح لنا بإعادة إعمار البلد. وما لم نحصل على الأموال اللازمة للدفاع عن أنفسنا، قد لا نصل إلى المرحلة التي تجعلنا نعيد بناء أوكرانيا». تعرّض والدا تشيرنوهورينكو للقصف في شقتهما خلال أول شهر من الحرب، فاضطرا للرحيل وأصبحا لاجئَين منذ ذلك الحين. هو يدرس في الوقت الراهن لنيل شهادة دكتوراه أخرى في القانون الدولي من جامعة «أكسفورد» ويجري أبحاثاً عن مواضيع مثل الانتقال من تجميد الأصول إلى مصادرتها.

لكن قبل أن تحصل أوكرانيا على الأموال اللازمة لإعادة إعمار البلد، تتعدد المسائل العالقة في شأن شرعية مصادرة تلك الأموال. تملك الولايات المتحدة أصلاً صلاحية مصادرة أموال الدول، بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية. يهدف التشريع المطروح راهناً أمام الكونغرس بكل بساطة إلى توضيح تلك الصلاحية وتحديد الهدف من استعمالها وربطها بإعادة إعمار أوكرانيا. في المقابل، يجب أن تُمرر بلدان أخرى، مثل المملكة المتحدة، تشريعاً جديداً قبل أن تنتقل من تجميد الأصول إلى مصادرتها.

تتعلق واحدة من أبرز الأفكار التي تستعملها موسكو وبعض خبراء القانون الغربيين للاعتراض على هذه الخطة بانتهاك حصانة روسيا السيادية في حال مصادرة تلك الأصول فعلاً. تترافق مصادرة أصول الأفراد والشركات الخاصة، كتلك الواردة على لوائح العقوبات، مع بعض المشكلات القانونية. لكن تتعارض مصادرة الأموال التي تعود إلى بنك دولي في دولة مستقلة مع الفكرة القائلة إن الدول تبقى بمنأى عن سبل الانتصاف القانونية، وتنتهك هذه الخطوة بحد ذاتها القانون الدولي.

مع ذلك، يبدّد مؤيدو مصادرة الأصول هذه المخاوف، على اعتبار أن الحصانة السيادية لا تنطبق إلا على الدول التي تتعامل مع إجراءات قانونية تتخذها دول أخرى ضدها، ولا علاقة لها بسبل الانتصاف التنفيذية أو التشريعية. من وجهة نظرهم، سقط حق روسيا بالتعامل معها كدولة ذات سيادة حين أقدمت على غزو أوكرانيا بطريقة غير شرعية وارتكبت عدداً هائلاً من جرائم الحرب الموثّقة، مثلما تسقط الحصانة السيادية حين تشارك المؤسسات الحكومية في الاحتيال التجاري.

يظن آخرون أن تجميد الأموال في بداية الحرب يعني تجاوز الخط الأحمر منذ فترة طويلة. إنه جزء من الأسباب التي تجعل الكثيرين متفائلين رغم المخاوف الشائعة من هرب الرساميل إلى خارج النظام المالي الغربي.

يقول دانيال فرايد، السفير الأميركي السابق في بولندا: «هل تتكلمون عن حرمة الصناديق السيادية؟ لقد تجاوزنا هذه المسألة منذ فترة. يجب ألا نخدع أنفسنا بعد الآن. لاحظ الصينيون والسعوديون ما نفعله، ولكنهم لم يسحبوا أموالهم من مصارفنا».

تتعلق مسألة أساسية أخرى بعقيدة «التدابير المضادة». نظرياً، يحق للدولة التي تتضرر بسبب انتهاك القانون الدولي (مثل التعرّض لغزو غير شرعي) أن تُصحّح ذلك الخطأ، حتى لو عنى ذلك انتهاك القانون الدولي موَقتاً. وإذا انتهكت الدولة المعتدية المعايير العالمية، مثل ميثاق الأمم المتحدة، يحق لجميع الدول أن تلجأ إلى التدابير المضادة. إنه المنطق الأساسي الذي يشير إليه مؤيدو هذه الخطوة للانتقال من تجميد الأصول جماعياً إلى مصادرتها بشكلٍ مباشر.

لكن يُفترض أن تكون التدابير المضادة قابلة للعكس. إذا قررت الدول الغربية في نهاية المطاف أن تصادر الأصول الروسية فعلاً وترسلها إلى أوكرانيا، لا يمكن عكس هذا التدبير بأي شكل. يظن النقاد أن هذا الجانب قد يكون جزءاً من الأسباب التي تنذر بمجموعة من النتائج العكسية: بعد خسارة تلك الأموال، لن تتشجع روسيا على إنهاء حربها في أوكرانيا.

لكن يبدّد مؤيدو مصادرة الأصول الروسية هذه المخاوف أيضاً على اعتبار أن أي توزيع للأموال في أوكرانيا سيكون بمثابة دفعة مسبقة من روسيا للتعويض عن خسائر الحرب، وهو مبلغ سيجبرها القانون على دفعه في مطلق الأحوال، لكنها لن تسدده على الأرجح بشكلٍ طوعي يوماً. وبما أن أضرار الحرب سبق وتجاوزت عتبة المبالغ التي يجمّدها الغرب (300 مليار دولار)، يمكن عكس قرار منح الأموال لأوكرانيا، بغض النظر عن الهدف منه، لأن روسيا تدين للبلد بالكثير وستزيد التكاليف المترتبة عليها في مرحلة معينة من المستقبل.

على صعيد آخر، تبرز بعض الاعتبارات العملية. تتواجد الأموال الروسية في عدد من البلدان المختلفة وبأشكال متنوعة (أوراق مالية، سندات حكومية...). لهذا السبب، قد تزيد صعوبة تحويل الثروات الروسية المجمّدة إلى أموال قابلة للاستخدام في أوكرانيا. وعلى عكس ما حصل في العام 1991، حين خصّصت الأمم المتحدة صندوق تعويضات لصالح الكويت، يعني احتفاظ روسيا بحق النقض في مجلس الأمن استحالة نشوء كيان مشابه هذه المرة.

بعبارة أخرى، قد تضطر الولايات المتحدة وأي بلدان تقرر الانضمام إليها في هذه المبادرة لإنشاء شكل من الصناديق المتخصصة لإدارة الأموال لصالح أوكرانيا. لإنفاق 3.5 مليارات دولار من الاحتياطيات الأفغانية، أنشأت الولايات المتحدة لجنة خاصة في سويسرا. اليوم، يسمح التشريع الذي أصبح قيد الدراسة في مبنى الكابيتول هيل («قانون إعادة بناء الرخاء الاقتصادي والفرص للأوكرانيين»)، في حال تمريره، بإنشاء «صندوق دعم أوكرانيا» الذي يُستعمل لإعادة إعمار البلد وتزويده بالمساعدات الإنسانية اللازمة.

قد تكون المسائل القانونية الشائكة، والمخاوف من الرد الروسي، والقلق من إضعاف ثقة العالم بالعملات الشائعة (مثل الدولار الأميركي، أو الجنيه الإسترليني، أو اليورو) بعد مصادرة الأصول الروسية، جزءاً بسيطاً من الأسباب التي تدفع أوروبا إلى التعامل بحذر شديد مع هذا الملف. قد توضع اللمسات الأخيرة على أحدث اقتراح من هذا النوع في الشهر المقبل، علماً أنه يقضي بالاكتفاء بأخذ عائدات الأصول الروسية المجمّدة (زادت الفوائد إلى 3 مليارات دولار تقريباً في السنة) واستعمال هذه المبالغ لمساعدة أوكرانيا. يقول مؤيدو مصادرة الأصول مباشرةً إن المبالغ المشتقة من التسوية التي يقترحها الاتحاد الأوروبي تشكّل جزءاً بسيطاً من كلفة إعادة إعمار أوكرانيا، وسيواجه هذا التدبير على الأرجح مشكلات قانونية بقدر التحركات الأكثر تأثيراً.

فيما تدخل الحرب الروسية ضد أوكرانيا عامها الثالث (قد تكون من أخطر التحديات التي يواجهها النظام الدولي منذ الحرب العالمية الثانية)، بدأت الجهات المعنية تدرك أن تحركات موسكو لا تكتفي بإعادة رسم الحدود والخطوط الأمامية، بل إنها قد تُمهّد أيضاً لإحداث تغيير جذري في القانون الدولي. نتيجةً لذلك، قد تصبح الحصانة السيادية جزءاً من الماضي.