أصبح الجيش الأوكراني، بعد سنتين على بدء الحرب مع روسيا، عبارة عن خليط من المعدّات المتطوّرة التي تعكس قدرات حلف «الناتو» والمعدّات القديمة التي تعود إلى الحقبة السوفياتية الغابرة.
لكن أصبحت جبهة القتال جامدة رغم كلّ الذخائر المستعملة. يطرح الغربيون والأوكرانيون تقييمات صارمة حول النتائج المحقّقة حتى الآن، والعوامل التي سمحت لكييف بمقاومة الغزو الروسي، ونقاط الضعف التي لا تزال بحاجة إلى حلّ. تمكّن الأوروبيون والأميركيون من التّعامل مع معدّاتهم العسكرية ونموذج الحرب المطروح في هذا الصراع المحتدم، لكن يضطرّ الجيش الأوكراني في المقابل لاحتساب عدد الذخائر التي يستعملها في جبهة القتال. لم يعد تسليم القذائف كافياً، وتباطأت في الوقت نفسه قدرات الإنتاج الغربية على نحو مريع. سجّلت فرنسا رقماً باهتاً حين أعلنت عن تسليم 3 آلاف قذيفة شهرياً، إذ تطلق أوكرانيا هذا العدد خلال يومَين وروسيا خلال نصف يوم. لا يقدّم الأوروبيون الآخرون أداءً أفضل في هذا المجال، ويعيق الموالون لدونالد ترامب تسليم أي مساعدات إضافية من الولايات المتحدة. كذلك، لن يتمكن الاتحاد الأوروبي تسليم المليون قذيفة التي وعد بها في السنة الماضية بحلول شهر آذار المقبل، بل إنه سيكتفي على الأرجح بإرسال نصف هذه الكمية.
لتلبية الحاجات الأوكرانية المتزايدة، اختارت الدنمارك حلّاً جذرياً: تقديم جميع مدفعياتها، بما في ذلك الذخائر، إلى أوكرانيا. تريد كوبنهاغن على الأرجح أن تعوّض عن تقصيرها في المراحل السابقة، فقد اكتفى الجيش الدنماركي في السنة الماضية بتسليم كمية ضئيلة من معدّاته القديمة. لكنّ الدبابات التي تستعملها روسيا على جبهة القتال ليست حديثة أيضاً.
منذ 24 شباط 2022، انغمس الغرب مع مرور الوقت في عقلية اقتصاد الحرب وقرّر دعم أوكرانيا طوال الفترة اللازمة. خلال الأسابيع الأولى من الصراع، كان المعسكر الغربي مقتنعاً بأن كييف ستسقط سريعاً، فسلّم البلد معدّات دفاعية وصواريخ مضادة للدبابات. اكتفى الألمان من جهتهم بإرسال معدّات بسيطة مثل الخوذات. ثم تجاوزت المقاومة الأوكرانية مراحل جديدة من القتال، ولو في أوقات متأخّرة أحياناً، وقد اعتبرها البعض خطوات تصعيدية، فاستعملت مثلاً المدفعيات، والدبابات، والصواريخ الطويلة المدى... هذه السنة، يُفترض أن تستلم كييف طائرات «أف 16» بعد إنهاء تدريبات الطيارين، لكن تقتصر كميّتها على عشرات الطائرات وبالكاد يمكن استعمالها لحماية المجال الجوي الأوكراني. تبرز الحاجة أيضاً إلى استكمال أنظمة الدفاع المضادة للطائرات كتلك التي ساهمت في حماية البنى التحتية الأساسية في أوكرانيا. تدرك الدول الداعمة للبلد أهمية صيانة هذه الأنظمة.
مع مرور الوقت، تعلّم الغربيون أيضاً أن يتقاسموا معلومات مبهمة في ما بينهم. بدأت الدول تحدّ تواصلها في شأن المعدّات التي تتلقّاها أوكرانيا. كذلك، نشأت «تحالفات» معيّنة في الخريف الماضي لتسليم المعدّات بطريقة منطقية في المجال البحري، وعلى مستوى المدفعيات، والدفاع الجوي، وسلاح المدرّعات. لكن لا تزال مجالات أخرى، مثل الحرب الإلكترونية أو العالم السيبراني، غامضة لأن هذا النوع من التقنيات يُعتبر حساساً جدّاً. في ما يخصّ الحرب الإلكترونية، قدّم الغرب مجموعة من أجهزة التشويش، لكن لا تزال كميتها أصغر من المعدّات الأخرى. كذلك، وصل الدعم الدفاعي في المجال السيبراني، لكن لا يزال مستوى القدرات الهجومية خفياً بالكامل. عرضت بعض الشركات الخاصة تقنياتها، بما في ذلك «ستارلينك»، و»بالانتير»، و»هيلسينغ». سمحت «ستارلينك» للجنود بالاحتفاظ بوسائل الاتصالات في جبهة القتال، وأصبحت مستهدفة من روسيا. أما شركة «بالانتير»، فهي تشارك في عمليات الاستهداف، إذ يسمح المنطق الذي تتبناه بتحديد المواقع وإرسالها إلى المنفّذين لاستهدافها، ما يعني كسب الوقت لتدمير العدو. أخيراً، تسمح تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تقدّمها شركة «هيلسينغ» بزيادة دقة العمليات المدفعية. تُستعمَل هذه المبادرات كلّها للتعويض عن نقاط ضعف أوكرانيا. لكن يحذر مسؤول رفيع المستوى من عدم وجود «جيش سحري»، إذ لا يمكن الفوز بالحرب إلا بفضل خطوط الإنتاج الصناعي والقتال على الجبهة.
يتراجع عدد الدول التي منحت أوكرانيا حُزَماً كاملة من المعدّات والذخائر والدعم والتدريبات، منها الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا. لكن زاد توازن الوضع تعقيداً بسبب تأثير القوة السياسية.
نتيجة هذه العوامل كلها، تتّكل أوكرانيا اليوم على جيش غير متجانس وغير مناسب في بعض الظروف. يقول مصدر عسكري إن الدّبابات البريطانية «تشالنجر» ممتازة، فهي معدّات ثقيلة للقنص لأن نطاقها يصل إلى 4 آلاف متر، لكن تَزِن كل دبابة منها 73 طناً ولا يمكنها أن تتحرك في المناطق الرطبة مثلاً. في بداية الصراع، تلقّى الأوكرانيون أيضاً كميات كبيرة من معدّات تشبه تلك التي تلقّوها من بلدان كانت جزءاً من حلف وارسو في الماضي. كانت بولندا من أبرز المساهمين في هذا المجال. وفق المصدر نفسه، يسهل التعامل مع دبابات «تي 72» البسيطة، ولو أنها لا تضمن حماية كبرى. لكن يبقى استعمال دبابات وزنها 40 طناً خياراً أفضل في المناطق الرطبة. هذه هي الدبابات التي سمحت بإطلاق الهجوم الأوكراني المضاد في العام 2022.
بدأ الغرب في المرحلة اللاحقة يبحث عن كلّ الترسانات السوفياتية القديمة، فتسلّمت أوكرانيا أكثر من 300 دبابة من نوع «تي 72». اليوم، أصبحت هذه الكميات ضئيلة. لا تستطيع بعض البلدان من دول العالم الثالث التي لا تزال تحتفظ بهذه المعدات، مثل المغرب العربي، أن تتخلى عنها أو تُسلّم جزءاً منها لأنها لا تريد أن تثير استياء روسيا. في أوروبا، زادت الاضطرابات بسبب هذه المناورة التي دعت إليها «المنشأة الأوروبية من أجل السلام». استعملت دول أوروبا الشرقية المبالغ التي تلقّتها لتمويل حملة تهدف إلى تجديد مخزوناتها القديمة عبر شراء المعدات من كوريا الجنوبية أو الولايات المتحدة، ما أثار استياء باريس وبرلين. قال جنرال منتسب إلى واحد من تلك الجيوش منذ أشهر: «لقد اشترينا المعدّات المتاحة في الوقت الراهن».
بالعودة إلى أوكرانيا، أصبحت إدارة الجوانب اللوجستية كابوساً حقيقياً بالنسبة إلى الأوكرانيين. يقول المصدر العسكري المُطّلع إن أنابيب المدفعيات تحتاج إلى التغيير بعد إطلاق 1500 ضربة، لكن لا يستطيع أحد أن يتوقّع الأحداث المتلاحقة. لا تكون الأنابيب المستعملة خطرة بالنسبة إلى مشغّليها فحسب، بل إنها تخسر دقّتها أيضاً. أوصى بعض الصناعيين الأوروبيين بصيانة هذا النوع من المعدّات بعيداً عن جبهة القتال، لكن لا يمكن أن تصبح هذه العملية مستدامة. وُجِدت حلول أخرى على مسافة أقرب من ساحات المعارك، لكنّها تتطلّب بعض التدريبات الأساسية. كان مشغّلو المعدات الميكانيكية الأوكرانيون يفتقرون إلى التدريب أحياناً، فتزيد المشكلات المطروحة سوءاً. في غضون ذلك، برزت مشكلات أخرى بسبب استعمال المعدّات نفسها لغايات مختلفة. في أوروبا، يمكن إيجاد قطع نادرة لكن ضرورية لدعم المعدات المعقدة بشكل عام، لكنّ الوضع مختلف في أوكرانيا.
لا يستطيع الجيش الأوكراني أن يتفوّق على روسيا من حيث حجم المعدّات. في صيف العام 2023، راهن ذلك الجيش على التكنولوجيا والضربات العميقة عبر استعمال الصواريخ الأميركية الموجّهة والصواريخ الطويلة المدى من نوع «ستورم شادو» و»سكالب» من فرنسا والمملكة المتحدة. نجح المهندسون البريطانيون في تعديل هذه الأسلحة كي تتماشى مع أجنحة الطائرات السوفياتية القديمة. تلك الأسلحة هي التي سمحت لكييف بتحقيق نجاح تكتيكي في شبه جزيرة القرم والبحر الأسود في مرحلة سابقة. برأي مسؤول رفيع المستوى، سيختار الأوكرانيون الصواريخ إذا اضطروا للاختيار بينها وبين الدبابات. لهذه الأسباب، لا يمكن أن تستمرّ هذه الحرب على المدى الطويل نظراً إلى استنزاف مخزونات المعدّات. من المنتظر أيضاً أن تسلّم فرنسا معدّات توجيهية من نوع «إيه 2 إس إم»، ما يسمح بتوسيع نطاق القنابل. في المقابل، ترفض ألمانيا حتى الآن أن تسلّم صواريخ «تاوروس» التي تضاهي «سكالب» لأسباب سياسية.
في ما يخص الطائرات المسيّرة التي تحتلّ أهمية كبرى في ساحات المعارك كونها تجعلها شفافة وقاتلة، تلاشى التفوّق الذي كان الأوكرانيون يتمتعون به خلال الأشهر الأولى من الحرب. اكتشفت روسيا نقاط ضعف الطائرات المسيّرة المتوسطة المدى من نوع «تي بي 2»، بعدما نجحت هذه الأخيرة في اختراق خطوط العدو. لهذا السبب، لم تعد هذه الطائرات تُستعمَل في الوقت الراهن. منذ الأشهر الأولى للحرب، تلقّى الأوكرانيون معدات غربية، منها طائرات «سويتش بليد» الأميركية المسيّرة. لكنّ المسار التكنولوجي الراهن يجعل أي طائرة مسيّرة قديمة وغير نافعة فور رصد أي عيب أو نقطة ضعف فيها. قال أحد المصنّعين منذ بضعة أشهر إن أي نوع من الطائرات المسيّرة لا يبقى قيد التشغيل لوقتٍ طويل بعد رصده وتحديد مواصفاته. بدأ اليوم عصر النُسَخ المصغّرة من الطائرات المسيّرة، أبرزها «فيرست بيرسن فيو» المستعملة على شكل ذخائر انتحارية. تتجه فرنسا إلى تكثيف جهودها في هذا القطاع بالذات خلال العام 2024، ومن المنتظر أن يتمّ تسليم طائرات مسيّرة من إنتاج شركة «ديلير» خلال هذه السنة أيضاً. لكن يحذّر مصدر عسكري في النهاية من افتقار طائرات «فيرست بيرسن فيو» إلى مزايا الأسلحة المدفعية لأن أي سلاح لا يمكن استبداله بسلاح آخر في أي ظرف من الظروف.