بعدما ظنّ الخبراء في البداية أن فيروس كورونا عدوى تنفسية، أدرك الأطباء سريعاً أن آثاره أخطر مما توقعوا عند معالجتهم مرضى بحالة حرجة.
تقول الدكتورة أكريتي غوبتا، واحدة من أوائل أطباء القلب في وحدات العناية المُركّزة الخاصة بمرضى "كوفيد - 19" في مركز "إيرفينغ" الطبي في جامعة كولومبيا:" كنت في الخطوط الأمامية منذ البداية. شاهدتُ المرضى وهم يتعرضون لجلطات كثيرة، وكان مستوى السكر في دمهم مرتفعاً رغم عدم إصابتهم بمرض السكري، وأصيب الكثيرون بمشاكل في القلب والكلى".
في بداية آذار 2020، كانت التوجيهات العيادية للطواقم الطبية التي تعالج آثار "كوفيد-19" خارج نطاق الرئتين ضئيلة، لذا قررت غوبتا أن تجمع النتائج التي توصّلت إليها دراسات سابقة مع الاستنتاجات التي تلاحظها هي وأطباء آخرون ميدانياً. تعاونت غوبتا وزملاؤها في جامعة كولومبيا مع أطباء من جميع أنحاء الولايات المتحدة لطرح أول التوجيهات العيادية الشاملة حول الأعراض غير التنفسية للمرض. ثم لخّصوا مظاهر الفيروس في أعضاء معينة وطرحوا أسباباً وخيارات علاجية محتملة لهذه الحالات.
يُركّز جزء من التقرير المنشور في مجلة "طب الطبيعة" على التجارب العيادية وعلاج النساء الحوامل والأولاد المصابين بفيروس "كوفيد - 19".
مرض متعدد الأجهزة
أول ما لاحظه الأطباء لدى مستخدمي أجهزة التنفس الاصطناعي هو تخثر دمهم بسهولة غير مألوفة. لكن لم تكن هذه الملاحظة كافية لتفسير الآثار الواسعة في أعضاء أخرى من الجسم.
توضح غوبتا: "يجب أن يتعامل الأطباء مع "كوفيد - 19" وكأنه مرض متعدد الأجهزة. تكثر الأخبار عن حصول جلطات دموية، لكن يصاب جزء كبير من هؤلاء المرضى بأضرار في الكلى والقلب والدماغ، ويجب أن يعالج الأطباء تلك الحالات إلى جانب المرض التنفسي".
تتعدد مظاهر الفيروس التي رصدها الأطباء، نذكر منها:
• زيادة الجلطات الدموية أو خثار الأوردة.
• مضاعفات على مستوى القلب والأوعية الدموية.
• إصابات في الكلى.
• أعراض هضمية.
• تضرر الكبد.
• فرط سكر الدم وفرط كيتون الجسم (اضطراب أيضي يجعل الجسم ينتج الطاقة انطلاقاً من الدهون بدل الغلوكوز ويزيد إفراز الكيتونات).
• اضطرابات في الجهاز العصبي المركزي.
• اضطرابات في العين.
• مضاعفات جلدية.
طرح الباحثون أربع آليات لتفسير هذه الآثار الواسعة:
• أضرار مباشرة في الخلايا التي يصيبها الفيروس.
• أضرار في الخلايا البطانية التي تَحِدّ الأوعية، ما ينتج جلطات دموية والتهابات.
• اختلال الاستجابات المناعية.
• اختلال عمل الهرمونات التي تنظّم ضغط الدم وتوازن السوائل أو ما يُعرَف بنظام الرينين والأنجيوتنسين والألدوستيرون.
| أضرار مباشرة في الأنسجة للدخول إلى الخلايا المضيفة، يجب أن يتّصل جزء من "بروتينات سبايك" التي تعطي فيروس كورونا خصائصه وشكله الشبيه بالتاج بمُستقبِل على سطح الخلايا. لكن قبل حصول ذلك، يجب أن يُمهّد البروتياز (أنزيم يفكك البروتينات) في غشاء الخلية لإنتاج "بروتينات سبايك". يُسمّى ذلك المُستقبِل "الأنزيم المُحوّل للأنجيوتنسين 2". أما الأنزيم الاعتيادي الذي يطلق وفرة البروتينات، فهو TMPRSS2. نتيجةً لذلك، قد تصبح الأنسجة التي تحمل كمية كبيرة من تلك الأنزيمات ضعيفة بشكل خاص تجاه فيروس كورونا الجديد وإصابات أخرى. بالإضافة إلى الخلايا التي تحدّ القصبات الهوائية في الرئتين، تشمل تلك الأنسجة خلايا في الأنف والأمعاء والبنكرياس والكلى. |
يرتبط الفيروس التاجي بالخلايا البشرية من خلال «بروتينات سبايك» |
أضرار في الأوعية الدموية يذكر الأطباء أن مستقبلات الأنزيم المُحوّل للأنجيوتنسين 2 تترسخ على الخلايا البطانية في محيط الأوعية الدموية التي تغذي الأعضاء. تُسبب الأضرار في الخلايا البطانية الالتهابات وتزيد احتمال تشكّل الجلطات الدموية المعروفة باسم خثار الأوردة. يقول الدكتور كارتيك سيهغال، اختصاصي في أمراض الدم والأورام في مركز «بيث» الطبي في بوسطن وأحد المشرفين على التقرير الأخير: «خلال الأسابيع القليلة الأولى من انتشار الوباء، شاهدنا مضاعفات من نوع خثار الأوردة أكثر مما كنا نتوقع استناداً إلى تجاربنا مع أمراض فيروسية أخرى. قد تترافق هذه الحالات مع عواقب وخيمة لدى المرضى». تعيق الجلطات وصول الدم إلى الأنسجة. وحين تنفصل من مكانها، قد تستقر في أماكن أخرى من جهاز الدورة الدموية، ما يسبب انسدادات والتهابات وأضراراً أخرى في الأنسجة. يجري أطباء في جامعة كولومبيا تجربة عيادية لاكتشاف الجرعة المثالية من العلاج المضاد للتخثر وتحديد توقيته المناسب للمصابين بحالة حرجة من فيروس «كوفيد - 19». |
أضرار في الأوعية الدموية الرئويّة |
استجاعة مناعية مفرطة حين تُنشّط مسببات الأمراض الخلايا المناعية، تطلق جزيئات من نوع السيتوكينات التي تُشغّل خلايا مناعية إضافية لمعالجة العدوى، ما ينتج أحياناً ردة فعل مناعية مفرطة أو متلازمة إفراز السيتوكينات التي تترافق مع نتائج قاتلة في بعض الحالات. اكتشفت تجربة عيادية جديدة أن الديكساميثازون، أي الستيرويد الذي يكبح الاستجابة المناعية الشاملة، يُخفّض خطر الوفاة لدى مستخدمي أجهزة التنفس الاصطناعي أو الأوكسجين التكميلي بنسبة الثلث. أصبحت تجارب عيادية أخرى على الأدوية التي تستهدف عناصر محددة من الاستجابة المناعية، مثل الإنترلوكين 6، قيد التنفيذ. |
خلايا مناعية في مواجهة العدوى |
اضطرابات فيزيولوجية تتعلق الآلية الرابعة والأخيرة التي يعتبرها الباحثون مسؤولة محتملة عن تضرر الأنسجة عند الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» باضطراب نظام الرينين والأنجيوتنسين والألدوستيرون الذي ينظّم عمليات فيزيولوجية أساسية في الجسم، بما في ذلك توازن السوائل والمنحلات الكهربائية، ودرجة اختراق الأوعية الدموية، ونمو الأنسجة. كذلك، يؤثر الأنزيم المُحوّل للأنجيوتنسين 2 على هذا النظام بقوة لأنه يفكك الهرمونات التنظيمية من نوع الأنجيوتنسين 1 و2، فيزيلها من الدورة الدموية. وبما أن فيروس كورونا الجديد يغزو خلايا الجسم المضيف عبر الاتصال بالأنزيم المُحوّل للأنجيوتنسين 2، قد تضطرب وظيفته التنظيمية العادية ويزيد أضرار الأنسجة في أعضاء معيّنة. في النهاية، يستنتج الباحثون في تقريرهم: «بعيداً عن المضاعفات الرئوية التي تطرح تهديداً على حياة المرضى، بدأت مظاهر «كوفيد - 19» الواسعة في أعضاء محددة تتّضح بشكلٍ متزايد. فيما يبذل الأطباء حول العالم قصارى جهدهم للاعتناء بالمصابين بالفيروس في المستقبل المنظور، لا بد من تطوير نظرة شاملة عن الفيزيولوجيا المَرَضية العامة والمتخصصة والمظاهر العيادية التي تترافق مع هذا المرض متعدد الأجهزة». |
الأنزيم المُحوّل للأنجيوتنسين 2 |



