عماد موسى

حليم جرداق... حشاش اللون وحيداً مضى

3 دقائق للقراءة
حليم جرداق 1927 -2020

غادر حليم جرداق لوحة ألوانه وطفولته وهذا العالم الموحش عن عمر ناهز الثلاثة والتسعين، تاركاً إرثاً فنياً أراد أن يهبه لمتحف سرسق ولم يكن له ما أراد. أمس غادر الرجل الوحيد وحدته التي اعتادها، بعدما فقد شقيقته قبل أعوام. غادر إبن الشوير إلى بياض أو سواد وهو المحتفي الدائم بألوانه، وقد مالت في آخر لوحاته صوب الألوان المائية. شفّت مثل حلم يتلاشى. سبقه أمين الباشا ووجيه نحلة وشفيق عبود وبول غيراغوسيان وشلة من المبدعين المجددين.

صداقاته نادرة، حذرة، وكان الشاعر خليل حاوي من أقرب الناس إليه وكان من الشهود الأوَل على انتحاره غداة الإجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982.

أهمية حليم جرداق، هذا الخجول المبتعد عن الضجيج الإجتماعي والمقابلات، القومي المترهبن لفنه، أنه خاض تجارب تشكيلية عدة، بعد تخرجه من الألبا، وانضمامه إلى أكاديمية ومحترفات عالمية أكاديمية مثل الـ"غراند شوميير" في باريس وفي ألمانيا وبريطانيا العظمى، وكانت له حبيبة تركت بصماتها وجسدها على روحه. اختبر جرداق كل مدارس الرسم فكان واقعياً وانطباعياً وتجريدياً وتكعيبياً ورمزياً وتعبيرياً، ومحتفياً دائماً بالألوان كأهزوجة حياة، وهو القائل "أنا حشاش ألوان ومدمن ألوان".

كما أنه مارس النحت، والحفر الطباعي على النحاس، وكان في مقدم من استخدموا تقنية التوليف المعروفة بالـ"كولاج"، انتُقد وتابع التحدي، وبقي في كل تحولاته التي تحاكي الحداثة، كما في كتاباته، صادقاً رائداً متفرّداً وحيداً.

ووحيداً مضى.

في العام 2005 كان له معرض إستعادي في كاليري جانين ربيز وحضر. وفي العام الماضي كُرّم في الشوير، وكان غيابه الأخير في مرحلة تجريبية.

في بداية جرداق، وقبل خمسينات الدراسة في "الأكاديمية اللبنانية للفنون"، لفتته حركة "كوبرا" التي تشكلت نهاية أربعينات القرن العشرين وضمّت فنانين أوروبيين أبرزهم الهولندي كارل أبل.

في العام 1961 نال الجائزة الأولى للحفر في المدرسة الوطنية العليا بباريس. وكان من أوائل الذين انتسبوا إلى جمعيّة الفنّانين للرسم والنحت في بيروت العام 1959.

في العام 1963 تعمّق بدروسه في ميونيخ وعرّج على باريس حيث أقام ثلاثة معارض، ليعود في العام 1966 الى بيروت ويقدم للمدينة ـ المختبر تجاربه الفنيّة الحديثة. ولجرداق الفضل في إنشاء محترف الحفر النحاسي في كلية الفنون في الجامعة اللبنانية التي درّس فيها، كما إستمرّ يدرّس الفنّ في أكاديمية الألبا لسنوات طويلة كان لها التأثير الفعّال في أجيال من الفنّانين الذين لمعوا في عالم الفنّ.

أقام حليم جرداق معارض عديدة في لبنان والخارج واشترك في معارض مهمّة حائزاً جوائز محلّية وعالميّة. وقد طرح فكره ونظرته وفلسفته إزاء الفنّ والنظريّات الفنيّة التاريخيّة ومواقفه غير التقليديّة في كتاباته، فأصدر كتباً عدّة منها "عين الرضا"، "تحوّلات الخطّ واللّون" و"صورة ذاتية".

غادر جرداق في العشرين من تموز من العام 2020، وبقيت في الذاكرة ملامح عارية على جدار، وخطوط فوق ألوان ناعمة، ومحفورات وغنائيات وخيالات أصابع.