ميشال معيكي

سلسلة: "قامات ثقافية" (11)

حليم جرداق: "أنا حشاش ألوان! أُلوِّن: أنا موجود"

3 دقائق للقراءة
حليم جرداق


من "الجامعة الأميركية في بيروت" إلى معاهد باريس، بينها "La grande chaumière" الفنيّة، والمحترفات الكبرى. درس حليم جرداق على الفنان الكبير André Lhote فنّ الحفر والرسم، شارك في معرض "Beaux-Arts" في باريس عام 1961، ودرّس طويلاً الفنون التشكيلية في "الجامعة اللبنانيّة".

أحد روّاد الفن التشكيلي المجدِّدين في لبنان، رسمًا وحفرًا وتلوينًا شاعريًّا، تجريديًّا حداثيًّا... أقام معارض كثيرة في لبنان وأوروبا والعواصم العربية... رحل في العام 2020 وكان حزينًا في غربةٍ داخلية!

قضى زمانه في المحترف، باحثًا عن ذاته الصغرى في الذات الكبرى، عبر الألوان والزيوح في أعماله! المرأة في لوحته، ترميز لمواجهة عصر الآلة، والفن في فهمِه متعة وطرب ووسيلة لانتشال الإنسان من الهوّة الكبرى ومدن الجليد - الحارق. بالرغم من انغماسه في جمالات الضيعة وبيوتها وقراميدها ووجوه ناسها، لم ينزلق جرداق إلى فخ الزخرفة الفولكلورية. طموحاته الفنيّة، الهَمّ الإنساني العام: الوحدة، الغربة، الما بعد...

قد يؤخذ على حليم جرداق عدم توظيف الوسائط الحديثة، لكن رفضه هذا المنحى هو هاجس نقاء التجربة وصدقها، فمشروعه الفنيّ يقوم على التوازن بين الانفعال والسيطرة، بين الحس والإدراك العميق... معادلة لا يتقنها إلّا من اختبر الفنّ كحياةٍ لا كحِرفة.

حليم جرداق لم يكن رقمًا في سجلّ الفنانين أو "المُدَّعين" الفن. هو ذاكرة لونيّة ناطقة. لوحاته تجسّد كرامة الانتماء إلى وطن، بصفاء وبإحساس رهيف بمرارة الحرب وتوجّعات شعب.

كتب سيرته وسيرة وطنه. لم يطلب تصفيقًا من جمهور بل تأمُّلاً من المُشاهد أمام اللوحة، إيمانًا منه بأنَّ الفنَّ - بفهمه - طوق نجاة!

منذ بداياته في ستينات - سبعينات القرن الماضي، بدا واضحًا أنه ليس مُزيِّن قماشة أو جدار. في أعماله الأولى طرح أسئلةً عن سرّ الوجود وكينونة الإنسان ومرور الزمن. اكتست لوحاته مسحة سوريالية، اختلط فيها الوجدان بالحلم. بعدها تحوّل إلى الاختزال اللَّوني وصوب فضاءات التأمل. يعتمد جرداق على تراكب الطبقات اللونيّة وعلى الحوار بين الضوء والظل. أعماله؛ شذرات تعبيرات عن أثرِ التأمل الداخلي في معنى الحياة.

في كتابَيه "عين الرضى" و "صورة ذاتية" استفاض جرداق في التعبير عن فهمه لمعنى الفن، ودوره في المجتمعات. كتب: "لا يمكننا أن نرسم خطًّا فاصلًا، بين طَور وآخر في النشاط الإنساني. فكلّ طَور يحمل خلاصة ما قبله واستعدادًا لتقبُّل الآتي"، والإنسان عنده مقياس كلّ شيء ويستحيل أن يكون في فراغ... ويصف عالمه الداخلي: "اللّون كينونة وغاية"!

كان على صداقةٍ متينة وأخوّة روحية وفكرية... حليم جرداق والشاعر خليل حاوي... تحت صنوبرات ضهور الشوير في الجبل اللبناني... في كتابه "تحوّلات الخط واللون"، قال: "أنا حشاش ألوان... أنا أُلوِّن إذن أنا موجود!".


في مرسمه

من لوحاته (1988)

من أعمال حليم جرداق (2004)