طارق عينترازي

جامعتنا الأميركية في بيروت

30 تموز 2020

09 : 24


أتحفنا أحدهم بمقال يهاجم الجامعة الأميركية ورئيسها وطاقمها الإداري. يخّيل لقارئ المقال أن الجامعة ممولة من جيوب اللبنانيين بينما هي مؤسسة خاصة لا تبغى الربح وممولة من تبرعات مواطنين أميركيين إذ أن الجامعة لم تتنعم بالمال الطاهر أو أي دعم من بقايا الشيوعيين المتلونين بالأصفر الممانع.

قصص معاناة موظفي الجامعة المفصولين تدمي القلب. لكن الهجوم المتكرر والنقد الهدّام للجامعة وإدارتها مريب. الجامعة تعاني مثل كل المؤسسات اللبنانية. ولكنها أعطت، وتعطي لبنان ولم تأخذ منه. تعطيه وظائف بالآلاف وعلماً وثقافة ومساحة حرية لا مثيل لها في الشرق كله.

طرد 800 موظف يعني أن الجامعة متخمة ولديها فائض وتعاني من قلة إنتاجية كبيرة. هي متخمة بسبب رضوخ الإدارات السابقة لضغوط توظيف أزلام، لذا أصبحت إعادة هيكلة الجامعة ضرورية لتأمين استمراريتها والحفاظ على رسالتها.

من منطق الحرص على الجامعة، وبكل محبة، نقترح أن تشمل خطة إعادة الهيكلة الخطوات التالية:

أولاً: تخفيض معاشات الأكثر دخلاً بمعدل يتراوح بين خمسة وعشرين وخمسين بالمئة، أجراء لجأت إليه كبريات الشركات في العالم، وأعلن عنه الدكتور فضلو خوري في ما يخص معاشه. كما يجب إنهاء عقود أحد من كل زوجين موظفين بالجامعة خصوصاً حين يكون مدخولهما مجتمعين يفوق بعشرات الأضعاف معاشات بعض الذين خسروا أعمالهم.

ثانياً: التخلص من المعاشات السمينة ومن رؤساء أقسام أثبتوا جهلهم بشؤون الإدارة المالية، وبنى بعضهم محميات داخل الجامعة، وأدخل بعضهم الآخر المستشفى بمشاريع مشكوك بمردودها الاقتصادي.

ثالثاً: استخدام بند الظروف القاهرة لإعادة التفاوض على كل عقود الموردين المقيّمة بالعملة الصعبة.

رابعاً: تحويل جزء من الوفر المحقق إلى تمويل صندوق لإعانة الموظفين المصروفين الأكثر فقراً عبر إطالة مدة تعويضهم، والإبقاء على تأميناتهم الصحية وبدل تعليم أبنائهم لسنة او أكثر.

الجامعة هي أمام فرصة لترشيق جسمها الطبي والتربوي وإعادة تكوينه ليصبح أكثر إنتاجية. أخطأت الأدارات السابقة حين تماهت مع لبنان ومسؤوليه ونظامه الزبائني المقيت. كما أخطأت بالرضوخ لضغوط التوظيف واعتماد استراتيجية أستيعاب جمهور البيئة التي تكن لها العداء المطلق منذ الثمانينات. لذلك فإنها بحاجة إلى إعادة تكوين طاقمها البشري باعتماد معيارين أساسيين. أولاً، الانتاجية والمؤهلات التقنية لكل منسوبيها. ثانياً، إيمان الموظفين بمنظومة القيم الليبرالية المنفتحة والمتسامحة التي تنادي بها. إذ لا يمكن أن تكون ال AUB جامعة أميركية ليبرالية بينما أكبر كتلة موظفين وطلاب فيها تنتمي إلى أحزاب تنبذ الآخر وتنادي بالموت لأميركا علنا .

الجامعة تملك الكوادر القادرة على إعادة هيكلتها لتكون مثال مؤسسة يقتدي بها لبنان كله. لبنان الذي نريد يجب أن يشبه ال AUB من حيث الانتاجية والمناقبية وتقديس العمل والعلم ليكن لنا لبنان أفضل. لا يجب أن تشبه ال AUB لبنان الدولة الفاشلة الفاقدة كل مقومات الدول.

أمّا أنتم يا أقلام السوء. فلكم جامعاتكم وحكوماتكم وصحافتكم وزراعاتكم وشرقكم ومحوركم وسلاحكم وعهدكم وأصهرتكم وانتصاراتكم ومستشفياتكم الممولة جميعاً من قبل مشغلّيكم. لكم كل هذا، فاتركوا ال AUB بسلام. كونوا صادقين مع نفسكم وقاطعوها. لا ترسلوا أبناءكم ولا مرضاكم إليها. اتركوها بفسادها ومفسديها. اتركوها بغَربيتها تقارع شرقكم الحزين، وباستكبارها تصارع غروركم وبأميركيتها تْبقي لنا نافذة على العالم. كفّوا عنها أقلامكم الهدامة ونظريات مؤامراتكم. وانضبّوا أنتم على تفرقة كل ما يُجمع، ودعوها تجْمَعُنا رغم كل اعتداءاتكم عليها.

فبالرغم من اغتيال رئيسها وخطف أساتذتها، أبقت ال AUB بيروت على قيد الحياة. أبقتها جزيرة تشبه لبنان الذي نحب. ال AUB ليست جامعة للتحصيل العلمي فحسب، بل هي نمط حياة منفتحة متسامحة وشهاداتها هي ذخيرة عمر كامل من المعرفة والمعارف والأصدقاء والأحبة. كلما توغلتم أنتم بلبنان ممانعةً وفقراً وفساداً وحقوق مسيحيين وكرامة سُنّة ومارداً شيعياً وحقوق أقليات أصبحت ال AUB حاجة إلى إبقاء أملنا بمستقبل افضل.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.