رفيق خوري

"الإلتباس" الدستوري عصي على التفسير

3 دقائق للقراءة

كان جيمس ماديسون يقول "إن الدستور يجب أن يكون مختصراً ومفهوماً بوضوح". والدستور اللبناني مختصر، لكنه ملتبس وغير مفهوم في بنود دقيقة. والسبب هو التحايل للحفاظ على التوازن الصعب في إدارة نظام طائفي قائم على لعبة المحاصصة والأدوار. فالباب في بعض الأمور مفتوح ومغلق في آن، حيث يضاف إلى مفتاحه قفل ثقيل. وسر الحماية للميثاق الوطني منذ الإستقلال هو ما سمي "الإلتباس الخلاق" و"سوء التفاهم المتفق عليه".

والمشكلة جاهزة عند الوصول إلى تطبيق النصوص في دستور، قال ميشال شيحا حين قدّمه: "هذا دستور لبنان الرسمي. أما الدستور الحقيقي فهو أن لبنان لا يحكم إلا بالتسويات". فما هي مثلاً آلية اتخاذ القرار وحدود الصلاحيات في تطبيق ما نصت عليه المادة 49 من أن "رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء"؟ وكيف يمكن التوفيق في "المرحلة الإنتقالية" حسب المادة 95 بين "إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي في الوظائف العامة باستثناء وظائف الفئة الأولى" وبين "مقتضيات الوفاق الوطني"؟

هذا ما طلب الرئيس ميشال عون من المجلس النيابي تفسيره. لكن المجلس الذي ترك لنفسه مهمة تفسير الدستور، خلافاً لإتفاق الطائف الذي خصّ بها المجلس الدستوري، ليس مؤهلاً للتفسير. لا للتفسير الدستوري، ولا حتى للتفسير السياسي. فكيف يتفق 128 نائباً على تفسير دستوري واضح في غياب الحياد وقلة الفقه الدستوري؟ وكيف نتوقع انتاج موقف سياسي على إيدي ممثلين لمواقع ومواقف سياسية وطائفية ومذهبية مختلفة؟

الوقائع تعيد تأكيد المعادلة الواقعية: ليس للأزمات السياسية حل دستوري عملياً، ولا حل لأية أزمة دستورية إلا بالسياسة. فكل أزمة سياسية في الأنظمة الديمقراطية في العالم لها حل دستوري: إقالة، إستقالة، حل البرلمان والعودة إلى الناخبين. وكل أزمة سياسية في نظامنا "الديمقراطي البرلماني" نظرياً تقود إلى تعطيل السلطة والعجز عن تطبيق الدستور. وكل أزمة دستورية تتحول أزمة وطنية لها طابع طائفي ومذهبي، وتتطلب تسوية سياسية.

مفهوم أن "المرحلة الإنتقالية" مرتبطة بمسار يبدأ بتشكيل "الهيئة الوطنية" التي تدرس السبل لتجاوز الطائفية بالتدرج تمهيداً لإلغاء الطائفية السياسية. ولا أحد يجهل لماذا لم تتشكل الهيئة. ولا شيء يغطي المسار المعاكس حيث تعميق العصبيات الطائفية والمذهبية هنا وفي المنطقة. وتلك هي المسألة يا أصحاب الحروب الصغيرة هرباً من مواجهة التحديات.

قبل ثلاثين سنة كان الرهان على تجاوز النظام الطائفي إلى الدولة المدنية. واليوم يزداد الإرتهان للعصبيات وصعود "الدول الدينية" في الشرق.