جوزيف بوهيا

لا ترويكا فوق الدستور

5 دقائق للقراءة
هنا تسقط الترويكا قبل أن تبدأ

في لبنان محاولة قديمة للعودة من الباب الخلفي: إحياء حكم الرؤساء الثلاثة. تُقدَّم الفكرة كأنها وصفة توازن. لكنها، في حقيقتها، محاولة لإنتاج سلطة موازية فوق الدستور. التشاور بين الرؤساء أمر طبيعي. أما تحويل التشاور إلى صيغة حكم، فليس توازناً بل انقلاب ناعم على اتفاق الطائف.

الطائف لم يُنشئ مجلس قيادة ثلاثياً. لم يستبدل دولة المؤسسات بنادٍ مغلق للرئاسات. ولم ينقل لبنان من رئاسة أولى قوية إلى ثلاث رئاسات تتقاسم القرار الوطني. الطائف رسم خريطة واضحة: رئيس جمهورية يسهر على الدستور ويمثل وحدة الدولة. مجلس وزراء يمارس السلطة الإجرائية ويضع السياسة العامة. مجلس نواب يشرّع ويراقب ويحاسب. لا توجد في الدستور سلطة اسمها “الرؤساء الثلاثة”. ولا يوجد توقيع سياسي ثالث يسبق المؤسسات أو يعلو عليها.

هنا تسقط الترويكا قبل أن تبدأ. فهي ليست اجتهاداً دستورياً، بل عرفاً سياسياً يراد له أن يبتلع النص. وفي لبنان، أخطر الانقلابات لا تأتي دائماً بالدبابات، بل بالأعراف. يبدأ الأمر بلقاء، ثم يصبح تنسيقاً، ثم يتحول إلى قاعدة، ثم نجد الدولة معلّقة على تفاهم ثلاثة أشخاص، لا على قرار مؤسساتها.

المادة 52 من الدستور لا تحتاج إلى تفسير ملتوٍ. رئيس الجمهورية يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة. ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. وتُعرض على مجلس النواب عندما تفرض طبيعتها ذلك. هذا هو المسار. رئاسة جمهورية، رئاسة حكومة، مجلس وزراء، ثم مجلس نواب عند الاقتضاء. أين موقع رئيس مجلس النواب كشخص في هذا المسار؟ لا مكان له خارج مؤسسته. يدخل المجلس عندما تصل القضية إلى المجلس. أما أن يتحول رئيسه إلى شريك تنفيذي مسبق، أو صاحب كلمة مرجحة في القبول والرفض قبل مجلس الوزراء والنواب، فهذا ليس دستوراً. هذا دستور موازٍ.

المادة 65 أوضح أيضاً: السلطة الإجرائية منوطة بمجلس الوزراء. لا بالرؤساء مجتمعين. ولا برئيس مجلس النواب مضافاً إلى السلطة التنفيذية. ولا بغرفة سياسية تُصنع فيها القرارات ثم تُرسل إلى المؤسسات للتصديق. مجلس الوزراء ليس مكتب تسجيل. ومجلس النواب ليس ختم عبور. ورئيس المجلس ليس المجلس. هذه بديهيات دستورية، لكنها تصبح معارك سياسية عندما يحاول من اعتاد احتلال الفراغات أن يحوّلها إلى حقوق مكتسبة.

من هنا، جوهر المعركة ليس شخصياً. ليس المطلوب إلغاء موقع أحد، بل منع أي شخص من التمدد خارج موقعه. مجلس النواب سلطة دستورية كاملة. أما رئيسه فمدير لهذه السلطة لا مالكها. المجلس يناقش، يشرّع، يوافق، يرفض، يمنح الثقة ويحجبها. لكن رئيس المجلس لا يختصر النواب، ولا يحل محلهم، ولا يملك أن يجعل موقعه ممراً إلزامياً لكل قرار وطني. من يريد رأي مجلس النواب فليذهب إلى مجلس النواب. ومن يريد موافقة النواب فليعرض النص عليهم. أما استباق المجلس بشخص رئيسه، فذلك ليس احتراماً للمؤسسة، بل إلغاء لها.

نبيه بري يعرف هذه اللعبة جيداً. هو ابن مرحلة كانت الأعراف فيها أقوى من النصوص، وكانت المؤسسات تمر عبر الزعماء لا العكس. لكنه يخطئ إذا ظن أن لحظة الضعف الحالية يمكن أن تُستخدم لإنتاج امتياز جديد. ما لم يحصل عليه زمن فائض القوة لا يمكن انتزاعه اليوم بزمن انكشاف المشروع. الترويكا ليست ضمانة وطنية. إنها تعويض سياسي عن تراجع القدرة على التحكم بالدولة من خارجها.

والأخطر أن هذا الطرح يُسوَّق أحياناً باسم التوازن الطائفي. وهذه مغالطة كبيرة. لا تحتاج أي طائفة في لبنان إلى امتياز خارج الدستور كي تثبت شراكتها. الشراكة الحقيقية تكون في الحكومة والبرلمان والإدارة والقرار الوطني. أما اختزال طائفة برئيس أو موقع أو حق فيتو غير مكتوب، فهو لا يحميها بل يحاصرها. يحولها من شريك في الدولة إلى ورقة تفاوض بيد شخص. وهذا أخطر ما يمكن تسويقه باسم الميثاقية.

الميثاقية ليست حق تعطيل. وليست ترخيصاً لتجاوز الدستور. وليست منصة لإنتاج سلطات غير منصوص عليها. الميثاقية تعني أن تعمل المؤسسات بروح الشراكة، لا أن تُستبدل المؤسسات بشراكة أشخاص. أما الترويكا، فهي نقيض الميثاقية لأنها تلغي الأكثرية والمعارضة، الوزراء والنواب، الكتل والأحزاب، وتحصر البلد بثلاثة مقاعد.

ومن يحاول نسب هذه الصيغة إلى الخارج يصطدم بحقيقة أبسط من كل التسريبات: الدول الصديقة للبنان، ولا سيما تلك التي رعت اتفاق الطائف وحمته، لا يمكن أن تغطي انقلاباً عليه. الطائف ليس سلعة سياسية تُستدعى عند الحاجة وتُعطَّل عند تعارضها مع مصالح أهل السلطة. من يريد حماية الطائف يبدأ باحترام نصه وروحه، لا بابتكار ترويكا جديدة فوقه.

المعادلة يجب أن تُقال بلا مواربة: لا حكم للرؤساء الثلاثة. لا ترويكا. لا غرف خلفية فوق المؤسسات. من يريد التشاور فليتشاور. لكن القرار يعود إلى حيث وضعه الدستور. من يريد الاعتراض فليعترض في مجلس النواب. من يريد التفاوض فليفاوض ضمن المادة 52. ومن يريد المشاركة فليشارك من داخل الدولة، لا من فوقها.

زمن الوصاية انتهى. وزمن الترويكا يجب أن يبقى في الماضي. الدولة لا تبدأ حين يتفاهم ثلاثة على إدارتها، بل حين يصبح الدستور أقوى من قدرتهم على اختصارها. ومن اعتاد إدارة النظام من خلف الستار، عليه أن يفهم أن الستار سقط، وأن المسرح لم يعد له وحده.