د. ميشال الشماعي

حكومة حيادية جديدة ومستقلّة

4 دقائق للقراءة

المجموعات السياسية التي حكمت البلاد في المرحلة السابقة، لا تصلح لهذه المرحلة الجديدة التي تُطلّ برأسها علينا. كما أنّ التجارب السابقة كلّها باءت بالفشل. لذلك، يجب الإعتراف بضرورات المرحلة الجديدة التي تفرض واقعاً جديداً، إنطلاقاً من ثابتة مفادها أنّ بعد الرابع من آب ليس كما قبله أبداً. فهل ستستطيع السلطة السياسيّة الحاكمة اليوم التكيّف مع هذه المرحلة أو الإلتفاف عليها؟ وهل ستتمكّن القوى المعارضة من الإستفادة من الدعم الدولي لقلب المعادلة من داخل المؤسسات؟

على ما يبدو، انّ المواجهة ستكون بأوجها في الأيام القليلة القادمة، وستكون مفتوحة على الإحتمالات كافّة. ويبدو أنّ فريق السلطة اليوم، أي الثنائي الذي استولد حكومة دياب، أي التيّار العوني و"حزب الله"، سيمهّد الطريق للعب في الوسط. ما يعني ذلك، أنّ البحث سيكون عن شخصية ترضي المجتمع الدولي، وفي الوقت عينه تنفّذ الأجندة التي كان دياب سائراً بها. أو أنّ هذه السلطة ستلعب بالنار، على قاعدة لعبة الأرض المحروقة بعد تيقّنها من أنّ معركتها لم تعد مع فريق لبناني وحسب، بل صارت معركتها مع المجتمع الدّولي برمّته.

من هنا، لن تستطيع هذه السلطة أن تلعب على حافة الهاوية السياسية، وبالتّالي، لن تتمكّن من الإلتفاف على مطالب المجتمع الدولي. ويبدو أنّ هناك خريطة طريق دولية قد وضعها الرئيس الفرنسي، بالتشاور مع شركائه الدوليين المتواجدين في المنطقة، من الأميركيين إلى الروس، فضلاً عن الشركاء العرب. وهي وحدها السبيل لتحرير لبنان المحتلّ سياسياً من المِحور الإيراني – السوري. وما لم يتحقّق هذا التحرّر السياسي، لن يستطيع المجتمع الدولي المضي ولو قدماً واحدة في لبنان.

إلا أنّ التعويل على المؤسسات الدستورية في الدولة ما زال أولوية الأولويّات بالنسبة إلى المجتمع الدولي، وذلك تجلّى في أثناء زيارة الرئيس الفرنسي، الذي أكّد أمام الناس أنّ هؤلاء النواب والسياسيين هم من إنتاج الشعب اللبناني. والتغيير الوحيد يكون من داخل المؤسسات الدستورية، أي بانتخابات نيابية مبكرة. وهذا المطلب لن يتحقّق إلا بتضافر الجهود السيادية كلّها، عبر استقالات جماعية من المجلس النيابي على قاعدة ضرب ميثاقيته لإسقاطه. وعدا ذلك، تبقى مفاعيل الإستقالات ضمن أطر القناعات الشخصية، وذلك لأنّ الشارع الثائر لا قُدرة له على الإنقلاب لإسقاط المؤسسات. وقد شهدنا في الأيام المنصرمة عمليات إحتلال استعراضية لبعض الوزارات، التي سرعان ما انتهت بانسحاب الثوار، وعودة الجيش ليتسلّم زمام الأمور.

كذلك، لا بدّ هنا من التنبّه إلى أنّ المطالبة بلجنة تحقيق دولية في أحداث المرفأ وحدها ستؤمّن الحصانة للتحقيق، بعدما سقطت الثقة بهذه المنظومة لبنانياً وعربياً ودولياً. وذلك كلّه من دون إغفال العمل على تطبيق القرارات الدولية من الـ 1559 و 1595 و 1680 و1701 و1757.

من هنا، على الضنينين بالمصلحة الوطنية العامة الإستفادة من المبادرة الفرنسية، قبل انتقال العقوبات الأميركية من مرحلة العقوبات الفردية على بعض الأشخاص، إلى عقوبات على الدولة بأكملها. وعندها، لا قُدرة للبنان الدولة على التحمّل، لا سيّما بعد أحداث الرابع من آب. لذلك، لا بدّ من تأسيس جبهة سياسية سيادية جديدة تعيد إحياء روحية ثورة 14 آذار، وتعمل على جمع المبادئ السيادية التي قامت عليها، مع المبادئ الإجتماعية التي قامت على أساسها ثورة 17 تشرين. ولن يستطيع لبنان النهوض إلّا من داخل المؤسّسات، لأنّ أيّ إنزلاق إلى الفوضى لن يقف المجتمع الدولي مكتوف اليدين تجاهه، وما الرسائل الدولية المتكرّرة سوى مزيد من التأكيد على ذلك.

يبقى أنّ التلويح بسحب قوات "اليونيفيل" من جنوب لبنان يندرج في الإطار عينه، حيث أنّ الانتهاء من ملفّ ترسيم الحدود البحرية بعد زيارة هيل الأخيرة سيكون الشرارة لذلك، ما سيترك لبنان مكشوفاً من دون أيّ مظلّة دولية. لذلك كلّه، من الملحّ اليوم في القضيّة اللبنانيّة العمل على ثقافة الحياد، بدءاً بالحكومة الحيادية التي لا ترتبط بأيّ محور، بل تستفيد من كلّ دعم دولي، شرقاً وغرباً، وعربي تتلقّاه خدمة للبنان، وصولاً إلى دولة حيادية تُعلن الحياد الإيجابي والناشط والفعال، لتستطيع تفكيك الألغام التي وضعتها المحاور المختلفة في لبنان. عدا ذلك، قد نُصبح في حالات فراغ مؤسّساتية من جرّاء عجز السلطة السياسية على الإستمرار بنهجها، على أمل ألّا تأخذ البلد بأكمله نحو الفوضى والتسيّب الأمني.